alkafeelGlobal alkafeelGlobal

العتبة العباسية تغرس المعرفة : برنامج غِراس يعيد للمرأة حقها في التعلّم

 العتبة العباسية تغرس المعرفة : برنامج غِراس يعيد للمرأة حقها في التعلّم

في التعليم لا تقاس البدايات بالعمر، ولا تغلق أبوابه أمام من حالت ظروف الحياة دون الوصول إليه في سنواته الأولى؛ ففرصة التعلم يمكن أن تأتي في أي مرحلة، لتعيد للإنسان مساحة افتقدها، وتفتح أمامه طريقا جديدا نحو المعرفة.

ومن هذا المنطلق، نظمت شعبة التوجيه الديني النسوي التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة حفل تكريم طالبات برنامج غراس لمحو الأمية وتعليم القراءة والكتابة، المقام ضمن مشروع مراكز البدر التثقيفية في مجمع الشيخ الكليني (قدس سره)، تحت شعار (امرأة تتعلم.. مجتمع يتقدم).

وجاءت الفعالية تتويجا لمسيرة تعليمية خاضتها المشاركات في البرنامج، لم تكن غايتها اكتساب مهارات القراءة والكتابة فحسب، بل منحهن فرصة لاستعادة حقهن في التعلم، وتعزيز ثقتهن بقدراتهن، وتوسيع حضورهن في محيطهن الأسري والمجتمعي، في تجربة تجعل من التعليم بداية جديدة تتجاوز حدود الدرس والكتاب إلى بناء الإنسان وتمكينه من مواصلة طريق المعرفة.



البرنامج مساحة للتعلم

يمثل برنامج غِراس أحد المسارات التعليمية التي تستهدف الحد من الأمية وتعزيز فرص التعلم لدى النساء اللواتي حالت ظروف مختلفة دون حصولهن على التعليم في مراحل سابقة من حياتهن.

وقد وفر البرنامج بيئة تعليمية ملائمة تساعد المشاركات على اكتساب أساسيات القراءة والكتابة ضمن أجواء مشجعة على الاستمرار، مع مراعاة احتياجات المتعلمات وظروفهن، بما يجعل التعليم متاحا لهن في مراحل عمرية مختلفة.

وانطلق البرنامج ضمن رؤية أوسع تتبنى تعزيز التعليم المجتمعي وتوفير فرص التعلم للفئات التي لم تتح لها فرصة الدراسة سابقا، في إطار مشروع مراكز البدر التثقيفية.



من الحرف إلى بناء الثقة

لم تقتصر تجربة المشاركات على تعلم الحروف والكلمات، بل شكلت القراءة والكتابة مدخلا إلى اكتساب مزيد من الثقة بالنفس والقدرة على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية.

فإتقان القراءة يمنح المرأة قدرة أكبر على متابعة ما يحيط بها، وقراءة ما تحتاج إليه في حياتها، ومتابعة أبنائها في مسيرتهم التعليمية، فضلا عن فتح المجال أمامها لمواصلة التعلم وتطوير مهاراتها.

ومن هذا المنطلق، تحولت رحلة التعلم لدى المشاركات إلى تجربة تتجاوز الجانب التعليمي المباشر، لتصبح مساحة لإثبات القدرة على تجاوز التحديات والبدء من جديد، مهما كانت الظروف التي حالت دون التعلم في سنوات سابقة.



تجربة تعليمية تستند إلى الاستمرار

جاء تنظيم البرنامج في سياق اهتمام العتبة العباسية المقدسة بمشاريع التربية والتعليم وتعزيز التعليم المجتمعي، إذ سبقت هذه التجربة برامج موجهة إلى تعليم الكبار، من بينها برنامج (نتعلم لنحيا) الذي أطلق عام 2017 ضمن قسم التربية والتعليم، بهدف تعليم منتسبي العتبة المقدسة ممن لم تتح لهم فرصة تعلم القراءة والكتابة.

ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الاهتمام لتشمل المجتمع المحلي، وصولا إلى مشاريع وبرامج تستهدف الحد من الأمية وتوفير فرص تعليمية جديدة لفئات مختلفة.

وتعكس هذه المشاريع توجها نحو جعل التعليم مسارا مستمرا لا يرتبط بمرحلة عمرية محددة، بما يتيح لمن فاتتهم فرص التعليم في السابق العودة إلى مقاعد الدراسة والانطلاق نحو مراحل جديدة من المعرفة.



الحفل.. احتفاء بمسيرة المتعلمات

شهدت فعاليات حفل التكريم حضور عدد من الشخصيات الأكاديمية والرسمية، إلى جانب المشاركات في البرنامج، وتضمن برنامج الحفل فقرات متنوعة استعرضت جوانب من التجربة التعليمية وأهمية المعرفة في حياة الإنسان.


واستهلت الفعاليات بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، أعقبتها قراءة سورة الفاتحة، ثم ترديد نشيد العتبة العباسية المقدسة (لحن الإباء)، قبل الانتقال إلى فقرات الحفل الأخرى التي تناولت مسيرة برنامج غِراس وأثره في حياة المشاركات.

كما شهد الحفل تقديم قصيدة شعرية تناولت قيمة العلم وأثره في حياة الإنسان، إلى جانب فقرات سلطت الضوء على تجربة المتعلمات والجهود التي بذلنها خلال فترة الدراسة.



من الحرف إلى النور.. توثيق رحلة التعلم

تضمن الحفل عرض فيلمين وثائقيين حمل الأول عنوان (من الحرف إلى النور)، فيما جاء الثاني بعنوان (رحلة الأمل لمستقبل أفضل).

وتناول الفيلمان مسيرة المشاركات منذ بداية التحاقهن بالبرنامج، وما رافق رحلة تعلم القراءة والكتابة من تحديات وإصرار على الاستمرار، إلى جانب استعراض أثر البيئة التعليمية المشجعة في مساعدتهن على تجاوز الصعوبات ومواصلة التعلم.

كما تضمن الفيلمان مقابلات مع عدد من المتعلمات، تناولن خلالها جوانب من تجربتهن والدروس التي تلقينها، وما وفره البرنامج من أجواء ساعدتهن على الاستمرار في طريق المعرفة.



التكريم.. تتويج للجهد والمثابرة

اختتمت الفعاليات بتكريم المشاركات في برنامج غِراس تقديرًا لجهودهن ومثابرتهن خلال رحلة التعلم، في خطوة حملت دلالة تتجاوز منح الشهادات والنتائج إلى الاحتفاء بالإرادة والرغبة في اكتساب المعرفة.

وجاء التكريم بوصفه محطة ختامية لمسار تعليمي، وفي الوقت نفسه بداية لمرحلة جديدة يمكن للمشاركات خلالها مواصلة التعلم والاستفادة مما اكتسبنه من مهارات في حياتهن اليومية.



المشاركات يشدن بفرصة أعادت إليهن طريق المعرفة

أشادت المشاركات في برنامج غِراس بدور العتبة العباسية المقدسة في إقامة دروس محو الأمية وتهيئة الظروف المناسبة للتعلم والاستمرار.

جاء ذلك خلال كلمتهن التي ألقتها بالنيابة عنهن السيدة بدور علي، في أثناء فعاليات حفل تكريم طالبات البرنامج.

وتقول بدور علي "نقف اليوم نحن المتعلمات في دروس محو الأمية، وقد جمعنا هذا الطريق على غايةٍ واحدة أن نتعلم، وأن نمتلك القدرة على القراءة والكتابة، وأن نقترب أكثر من كتاب الله تعالى، ونضيف إلى حياتنا معرفةً تعيننا على فهم ما حولنا والتعامل معه بثقة".

وتضيف "ولأن القراءة والكتابة من أبسط الأدوات التي يمارس بها الإنسان حياته، فإن إتاحة فرصة تعلمهما تعني إتاحة مساحةٍ أوسع للمرأة في بيتها ومجتمعها؛ تقرأ، وتكتب، وتتابع أبناءها، وتتعلم، وتستمر في بناء نفسها، وتشارك على نحوٍ أكبر في محيطها".

وتتابع "كان لفتح هذه الدروس واستمرارها أثرٌ بالغٌ في نفوسنا، لأنها أتاحت لنا فرصةً ربما حالت ظروف الحياة دون الحصول عليها في سنواتٍ سابقة، وأكدت لنا أن التعلم حقٌ يمكن أن يبدأ في أي مرحلة، وأن الإرادة حين تجد الرعاية والتشجيع تستطيع أن تصنع بدايةً جديدة".

وقدَّمت علي شكرها للعتبة العباسية المقدسة، وإلى شعبة التوجيه الديني النسوي تقديرًا لاهتمامها ومتابعتها وجهودها في إقامة هذه الدروس وتهيئة الظروف المناسبة للتعلم والاستمرار، مثمنة جهود المعلمات ودورهن في متابعة الطالبات وتعليمهن، وما قدمنه من وقت وجهد أسهما في وصولهن إلى مستواهن الحالي.



خلاصة القول

يقدم برنامج غِراس أنموذجاً للتعليم الذي يمنح فرصة جديدة لمن حالت ظروف الحياة دون حصولهن على التعليم في الوقت المعتاد، ويجعل من تعلم القراءة والكتابة نقطة انطلاق نحو آفاق أوسع من المعرفة والثقة والمشاركة المجتمعية.

ومع اختتام فعاليات الحفل وتكريم المشاركات، تتجسد خلاصة التجربة في أن تعلم الحرف يمكن أن يكون بداية لتحول أكبر في حياة الإنسان، وأن توفير البيئة التعليمية المناسبة قادر على تحويل الرغبة في التعلم إلى واقع، وفتح الطريق أمام المرأة لمواصلة بناء ذاتها والإسهام في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتعليمًا.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة