alkafeelGlobal alkafeelGlobal

فاطمة الزهراء عليها السلام : سيرة الشهادة وذاكرة المظلومية

فاطمة الزهراء عليها السلام : سيرة الشهادة وذاكرة المظلومية
حين يُفتح سجل التأريخ للأيام الأخيرة من حياة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، تبرز فاطمة الزهراء (عليها السلام) بوصفها الشخصية التي لم تكن مجرد ابنة للنبي، ولا زوجة لوصيّه، ولا أمّاً لسيدي شباب أهل الجنة فحسب، وإنما كانت، الامتداد الحي لبيت النبوة، والشاهدة الأولى على التحول الكبير الذي وقع في الأمة بعد رحيل أبيها.

إن قراءة حياتها لا تبدأ من لحظة مرضها ولا تنتهي عند قبرها المخفي؛بل تبدأ من بيت الوحي الذي ولدت فيه، وتمضي عبر طفولتها في مكة، وهجرتها إلى المدينة، وزواجها من أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وولادة الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ( عليهم السلام ) ، ثم تبلغ ذروتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، حين تحولت الزهراء ( عليها السلام ) من ابنة مفجوعة إلى صاحبة موقف تأريخي وعقائدي وسياسي.

وُلدت فاطمة الزهراء (عليها السلام) في العشرين من جمادى الآخرة، بعد المبعث بخمس سنوات، وتوفيت في السنة الحادية عشرة للهجرة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بخمسة وسبعين يومًا .

وقد أفرد العلامة المجلسي في «بحار الأنوار _ الجزء الثالث و الأربعون_ » أبوابًا واسعة لسيرتها وولادتها وزواجها وأبنائها ومرضها ووصيتها ودفنها وأحداث ما بعد وفاة أبيها.



الولادة في بيت الوحي

ولدت فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بيت لم يكن يشبه سائر البيوت، وهو بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت أمها خديجة الكبرى (عليها السلام ) ، تلك المرأة التي آمنت برسول الله حينما كان الإيمان به امتحانًاً، وأنفقت من مالها في سبيل الرسالة، وتحملت معه الحصار والأذى.

وفي هذا البيت نشأت فاطمة طفلة ترى أباها وهو يحمل أمانة السماء، وترى أمها وهي تقف إلى جانبه في أصعب سنوات الدعوة ، لم تكن خصوصيتها نابعة من نسبها وحده،د ؛ بل من الموقع الذي ستحتله فيما بعد في بنية أهل البيت (عليهم السلام)، فهي ابنة رسول الله، وزوجة أمير المؤمنين، وأم الحسن والحسين، ومن ذريتها جاء الأئمة التسعة من نسل الإمام الحسين عليه السلام.

كانت طفولة الزهراء (عليها السلام) في مكة مرتبطة مباشرة بمرحلة شديدة القسوة من تأريخ الدعوة، عاشت في بيت النبي، وشهدت الأذى الذي كان يحيط برسول الله صلى الله عليه وآله ؛ ثم فقدت أمها خديجة (عليها السلام) في عام الحزن.

وكان فقد خديجة ضربة عميقة لبيت النبوة؛ إذ أصبحت فاطمة الصغيرة بعد ذلك هي الأقرب إلى أبيها، تواسيه وتخفف عنه وتلازمه ، وعُرفت بلقب «أم أبيها»، وهو من الألقاب المشهورة في سيرتها، ويعبّر عن خصوصية منزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وقربها منه..

فقد كانت بالنسبة إليه ابنة وحبيبة ومواسية؛حتى غدت مكانتها في قلبه ظاهرة في أقواله ومواقفه معها ، ومع انتقال رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة دخلت فاطمة (عليها السلام ) مرحلة جديدة من حياتها ، كانت قد تركت وراءها سنوات مكة بما حملته من حصار وأذى وفقد، وبدأت في المدينة مرحلة بناء الأسرة النبوية الجديدة.

وبعد الهجرة إلى المدينة تم زواجها من أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام ) ، في المرحلة الأولى من العهد المدني، وكان هذا الزواج أساس البيت الذي اجتمع فيه علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، كان بيت علي وفاطمة بسيطًافي مظهره، لكنه كان بيت الولاية والإمامة، ومنه خرج الحسن والحسين، ومن نسل الحسين استمر خط الإمامة.



زواج فاطمة من أمير المؤمنين

كان زواج فاطمة الزهراء من الإمام علي (عليهما السلام) حدثًا مركزيًّا في السيرة الإمامية ، اجتمع في هذا البيت رسول الله وفاطمة وعلي والحسن والحسين، وأصبح البيت الذي عُرف فيما بعد ببيت أهل الكساء.

لم يكن الزواج مجرد ارتباط عائلي؛بل كان اقترانًابين فاطمة بنت رسول الله وعلي الذي كان رسول الله قد أعلن مكانته وولايته ، ومن هذا الزواج جاء الامتداد الذي سيحفظ نسب أهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وعاشت فاطمة في بيتها حياة اتسمت بالزهد والعبادة وتحمل المسؤولية،وكانت تقوم بأعباء بيتها، وتعيش إلى جانب أمير المؤمنين حياة لم تعرف الترف، وإنما قامت على الإيمان والصبر والتضحية.

دخلت فاطمة مرحلة الأمومة بولادة الإمام الحسن (عليه السلام) في السنة الثالثة للهجرة، ثم جاء الإمام الحسين (عليه السلام) في السنة الرابعة، ثم زينب وأم كلثوم ( عليهما السلام ) ، وبذلك أصبح بيت فاطمة بيتًا تتجمع فيه الأسماء التي ستصبح فيما بعد محورًامركزيًّا في التأريخ الإمامي والإسلامي .

فالحسن سيصبح الإمام الثاني، والحسين الإمام الثالث وسيد الشهداء، وزينب ستصبح صوت كربلاء وحافظة رسالتها، ومن الحسين سيمتد خط الأئمة التسعة حتى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.



فاطمة في حياة رسول الله

كانت علاقة رسول الله صلى الله عليه وآله بفاطمة عليها السلام علاقة استثنائية ، فقد كانت حاضرة في حياته اليومية، وكانت من أهل بيته الذين ارتبط بهم وجدان الأمة ، وعندما جاءت لحظة مرض النبي ووفاته، كانت فاطمة من أكثر أهل بيته التصاقًابه وتأثرًا بفراقه ، مكانة فاطمة لا تنفصل عن موقع أهل البيت في الرسالة.

ولهذا فإن رحيل النبي لم يمثل عندهافقدان الأب وحده، وإنما كان انتقالًامفاجئًامن عالم كان فيه رسول الله حاضرًايحمي بيت النبوة إلى واقع جديد بدأت فيه الأحداث السياسية والعقائدية التي ستقود إلى المأساة الفاطمية.



وفاة النبي وبداية الانقلاب في حياة الزهراء

في السنة الحادية عشرة للهجرة رحل رسول الله صلى الله عليه وآله، وهنا بدأت أقسى مرحلة في حياة فاطمة عليها السلام ، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وقعت البيعة لأبي بكر ، بينما كان أمير المؤمنين علي عليه السلام، صاحب الحق الذي نصّ رسول الله صلى الله عليه وآله على ولايته وإمامته.

لم تكن هذه القضية بوصفها خلافا سياسيًّا على إدارة الدولة؛بل كانت مسألة مرتبطة بالنص على الولاية والإمامة ، ولهذا دخلت فاطمة عليها السلام إلى قلب المواجهة؛لأنها كانت ترى في الدفاع عن علي هو دفاع عن موقع أهل البيت وامتدادلوصية رسول الله.



فدك.. الأرض التي تحولت إلى قضية أمة

لم تكن فدك مجرد أرض أو مال ؛ بل كانت عنوانًا لمواجهة أكبر تتعلق بالحق والولاية وموقع أهل البيت بعد النبي ، طالبت فاطمة الزهراء عليها السلام بحقها في فدك، واحتجت بما لديها من حق في ملكيتها وبما يتصل بحقها في ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ألقت خطبتها المعروفة التي تحولت إلى وثيقة فكرية وعقائدية وسياسية بالغة الأهمية.

وفي «الاحتجاج» للطبرسي تظهر خطبة فاطمة في سياق احتجاجها على ما جرى، وفيها تتناول التوحيد والنبوة والقرآن والتشريع والجهاد وأهل البيت والإمامة، ثم تتوجه إلى الأمة في خطاب يكشف عمق رؤيتها لما حدث بعد وفاة أبيها ، وهكذا تحولت فدك من قضية مالية إلى رمز تأريخي في الوعي الشيعي، وأصبحت خطبة الزهراء واحدة من أهم النصوص التي يستدل بها على رؤيتها للسلطة والولاية وموقع أهل البيت.



دار فاطمة.. اللحظة التي تغير فيها كل شيء

بعد قضية الخلافة والبيعة وفدك انتقلت المواجهة إلى بيت الإمام علي والسيدة فاطمة عليهما السلام ، القوم أقبلوا إلى دار أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام للمطالبة بالبيعة، وإن التهديد بإحراق الدار وقع في سياق هذه المواجهة، ثم وقعت عملية الاقتحام والاعتداء على الزهراء عليها السلام، وهي الحادثة التي ارتبط بها أذى فاطمة وإسقاط جنينها المحسن عليه السلام.

وقد أفرد العلامة المجلسي في « بحار الأنوار – أبواب أحوال فاطمة عليها السلام » أبوابًالهذه الحادثة، ونقل المروايات المتعلقة بمجيء القوم إلى بيت فاطمة وما وقع عند الباب، ثم أتبعها بأبواب تتناول أذى الزهراء ومرضها ودفنها ليلاً ، لم تكن حادثة الدار حدثًا عابرًا ؛ إنها مأساة جسدية أصابت بنت رسول الله ، وترتبط حادثة الدار بمأساة المحسن عليه السلام؛فقد كانت السيدة فاطمة حاملا به، ثم أُسقط نتيجة الاعتداء الذي تعرضت له.

ولهذا أصبح المحسن في الذاكرة الشيعية رمزًا خاصًابالمظلومية الفاطمية ، فهو الطفل الذي لم يكتب له أن يرى الدنيا، وأصبح اسمه في الذاكرة مرتبطًا بواقعة الدار ومأساة أمه الزهراء عليها السلام ، وهكذا لم تكن مأساة الدار مأساة امرأة واحدة؛بل مأساة أم وجنين وبيت النبوة بأكمله ، دخلت فاطمة عليها السلام بعد ذلك مرحلة المرض ، ومرضها اشتد عليها، وكانت تعلم أن أيامها أصبحت معدودة.

وتنقل الرواية التي أوردها المجلسي في ( بحار الأنوار – رواية مرض فاطمة ووصيتها ) عن الإمام الباقر عليه السلام " أن مرضها بدأ بعد خمسين ليلة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنها عندما أحست بدنو أجلها اجتمعت بأمير المؤمنين وأوصته بما أرادت", وهنا تظهر صورة الزهراء في آخر أيامها: امرأة شابة، أم لأطفال صغار، زوجة للإمام علي، بنت رسول الله، تحمل آثار الفقد والأذى، وتستعد للرحيل.



الوصية الأخيرة قبل الشهادة

كانت وصية فاطمة عليها السلام لأمير المؤمنين من أهم مشاهد أيامها الأخيرة، وأوصته أن يغسلها ويجهزها ويدفنها ليلا، وألّا يحضر جنازتها ويصلي عليها كل من ظلمها ، ولم تكن هذه الوصية، مجرد رغبة شخصية في طريقة الدفن ، فقد تحولت إلى آخر موقف احتجاجي لها،لقد اختارت أن يكون غيابها استمرارًا لكلامها، وأن يصبح دفنها سرًّارسالة صامتة إلى الأمة.

وفي روايات « بحار الأنوار – باب دفن فاطمة عليها السلام ليلا » يظهر تنفيذ أمير المؤمنين لهذه الوصية، حيث تولى غسلها وتجهيزها ودفنها ليلا ، بعد خمسة وسبعين يومًامن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، رحلت فاطمة الزهراء عليها السلام ، كانت في الثامنة عشرة من عمرها تقريبًا، وكانت قد عاشت بعد أبيها أسابيع قليلة، لكنها كانت كافية لتغيير مسار الذاكرة الإسلامية.

فقد دخلت في مواجهة وخاطبت الأمة في المسجد، وطالبت بفدك، ودافعت عن أمير المؤمنين، ثم تعرضت للأذى، ومرضت، وأوصت بأن يكون دفنها ليلا، وهكذا انتهت حياة قصيرة في عدد السنين، طويلة في آثارها.



الدفن ليلًا ... آخر احتجاج فاطمي

حين أرخى الليل ستاره على المدينة، حمل أمير المؤمنين فاطمة عليها السلام إلى قبرها ، لم يكن هناك مشهد جنازة عامة يليق ببنت رسول الله ، كان هناك علي، وأهل البيت، ومن اختصتهم الوصية ، وفي هذه اللحظة تحولت الوصية إلى رمز تأريخي خالد،لقد ماتت فاطمة، لكن قبرها بقي مخفيًّا وأصبح البحث عن موضعه جزءًا من الذاكرة الفاطمية.

ويذكر المجلسي في ( بحار الأنوار – موضع قبر فاطمة عليها السلام ) أن موضع قبرها بقي مستترًا ، و أن إخفاء القبر كان جزءًا من احتجاجها على ما جرى بعد وفاة أبيها ، كان رحيل فاطمة نقطة فاصلة في حياة أمير المؤمنين عليه السلام، فقد الزوجة التي شاركته سنوات حياته، وفقد بنت رسول الله التي كانت تمثل له آخر حضور مباشر للنبي في بيته.

ولهذا ارتبطت شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) بعد وفاة فاطمة بصورة الرجل الذي يحمل حزنه في صمت ، بقيت الإمامة في قلبه، وبقيت مسؤولية حفظ الدين فوق جراحه، لكنه فقد الشخص الأقرب إليه ، أصبح حزن علي على فاطمة جزءًا من صورة مظلوميته، و أصبحت شهادة فاطمة إحدى الصفحات التي تفسر عمق المأساة التي عاشها أمير المؤمنين في السنوات التي سبقت خلافته.

كان الحسن والحسين عليهما السلام طفلين عندما فقدا أمهما؛ لكنهما لم يكونا طفلين عاديين في بيت كبيوت سائر الناس؛ كانا حفيدي رسول الله، وابني علي وفاطمة، والامتداد الذي سيحمل فيما بعد راية الإمامة والشهادة ، إن شخصية كل منهما لا تنفصل عن المدرسة التي تربيا فيها، مدرسة النبي وعلي وفاطمة ،ومن هنا فإن أثر فاطمة في الحسن والحسين لم يكن عاطفيًّافقط ؛ بل كان أثر أم تركت في ولديها نموذجًاكاملا للعبادة والصبر والكرامة والدفاع عن الحق.



فاطمة والشهادة وأثر المظلومية

لم تصبح فاطمة عليها السلام رمزًافي التشيع بسبب نسبها فقط، وإنما بسبب اجتماع عناصرمتعددة في شخصيتها ، فهي ابنة النبي التي فقدت أباها، وزوجة الإمام التي دافعت عن حقه، وأم الحسن والحسين، وصاحبة خطبة فدك، والشخصية التي ارتبط اسمها بمأساة الدار، وأم المحسن، والمرأة التي أوصت بأن تدفن ليلا ، وصاحبة القبر الذي بقي مجهولا.

ومن هذه العناصر تشكلت الذاكرة الفاطمية التي أصبحت فيما بعد جزءًارئيسًا من الوعي الشيعي ، وتحتل شهادة فاطمة موقعًا مركزيًّا في مفهوم المظلومية ، والمظلومية هنا ليست مجرد حالة حزن، وإنما هي موقف أخلاقي وعقائدي يقوم على التمسك بالحق في مواجهة القوة.

فاطمة لم تغادر الحياة صامتة ، لقد احتجت، وخاطبت، ودافعت، ورفضت، ثم أوصت بأن يبقى قبرها بعيدًاعن أعين من غضبت عليهم ، ولهذا أصبحت سيرتها نموذجًا للمؤمن الذي لا يملك القوة السياسية، لكنه يملك الكلمة والحجة والموقف.



الامتداد الفاطمي

يمثل الإمام الحسين (عليه السلام) الحلقة المركزية التي انتقلت عن طريقهاذرية السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) إلى سلسلة الأئمة التسعة ، ومن الحسين عليه السلام استمر خط الإمامة في ذرية فاطمة عليها السلام؛ فالأئمة التسعة بعده هم علي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وبذلك تحتل السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام موقعًا عقائديًّا مركزيًّا في امتداد الإمامة الاثني عشرية.

وهنا يتضح أن فاطمة ليست أم الحسن والحسين فقط ؛بل هي الجذر النسبي الذي يربط رسول الله بسلسلة الأئمة عند الإمامية ، وبعد سنوات، ستقف زينب بنت علي وفاطمة في الكوفة والشام بعد واقعة كربلاء، وستحمل خطاب أهل البيت إلى الناس.

وتبدو زينب عليها السلام امتدادًا رساليًّا للصوت الفاطمي؛ فكوقفة أمها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله دفاعًا عن حق أهل البيت، وقفت زينب بعد كربلاء حاملةً رسالة الحسين وأهل بيته إلى الكوفة والشام.

ففاطمة وقفت بعد وفاة النبي محتجةً في المدينة، ودافعت عن حق أهل البيت، وزينب حفظت قضية أهل البيت بعد كربلاء ، وبذلك لم ينته الصوت الفاطمي بوفاة صاحبته ؛بل انتقل إلى ابنتها.



الشهادة الفاطمية والوعي الحسيني

يصعب فصل الذاكرة الفاطمية عن الذاكرة الحسينية في الثقافة الشيعية؛فالإمام الحسين ابن السيدة فاطمة الزهراء ( عليهما السلام ) ، وكربلاء هي المأساة التي حملت مظلومية أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى ذروة جديدة.

أصبحت مجالس السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ومجالس الإمام الحسين ( عليه السلام ) مجالس متداخلةفي الوجدان الشيعي ، ففي المجلسين يظهر البيت النبوي وهو يواجه السلطة، ويظهر مفهوم التضحية من أجل الحق، وتظهر المرأة من أهل البيت وهي تحمل رسالة المأساة إلى الأمة ، ولهذا تحولت شهادة السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) إلى واحدة من المقدمات الروحية والتأريخية التي تُستحضر عند الحديث عن كربلاء.



خلاصة القول

كانت السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) شابة في مقتبل العمر حين انتهت حياتها ، استُشهدت، لكنها تركت أثرًاتجاوز حدود عمرها القصير، ولدت في بيت النبوة، وعاشت في كنف رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أصبحت زوجة أمير المؤمنين وأم الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وحملت في بيتها امتداد النبوة والولاية والإمامة.

وبعد وفاة أبيها دخلت مرحلة المواجهة والاحتجاج، فكان موقفها من الخلافة وفدك، ثم واقعة الدار وما ارتبط بها من أذى وإسقاط المحسن، ثم المرض والوصية، ثم الشهادة والدفن ليلا؛حلقات متصلة في السردية الإمامية لمظلومية الزهراء عليها السلام.

ولم ينتهِ أثرها باستشهادها؛ فقد بقي علي عليه السلام يحمل جرح فراقها، ونشأ الحسن والحسين في بيتها، وحملت زينب عليها السلام بعد كربلاء رسالة أهل البيت إلى الأمة، واستمر نسل الإمامة من الحسين عليه السلام حتى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وهكذا تحولت فاطمة عليها السلام من شخصية في التأريخ إلى محور من محاور العقيدة والذاكرة والهوية؛ فالجرح الذي أصاب جسدها لم يُغلق في الذاكرة، والقبر الذي أُخفي موضعه بقي سؤالاصامتا ، والشهادة التي انتهت بها حياتها بقيت حاضرة في وجدان أتباع أهل البيت عليهم السلام.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة