alkafeelGlobal alkafeelGlobal

معمل ألبان الكفيل.. من خطوط الإنتاج إلى مائدة العراقيين

معمل ألبان الكفيل.. من خطوط الإنتاج إلى مائدة العراقيين
في بلدٍ لطالما وقفت فيه المنتجات المستوردة في الصفوف الأولى من الأسواق، تبدو حكاية المنتج العراقي أشبه برحلة لاستعادة الثقة قبل أن تكون مجرد منافسة تجارية.

ومن كربلاء، بدأت إحدى هذه الرحلات؛ حيث لم تكتفِ العتبة العباسية المقدسة بإنشاء مشروع لإنتاج الألبان، بل مضت في بناء تجربة صناعية تحاول أن تجعل من المنتج المحلي خيارًا قادرًا على الحضور في مائدة العراقيين.

هنا، في معمل ألبان الكفيل، لا تبدأ الحكاية من العبوة التي تصل إلى رفوف المتاجر، بل من منظومة إنتاج متكاملة تتداخل فيها خطوط التصنيع، والمختبرات، والتبريد، والتعبئة والتوزيع؛ لتصنع في النهاية منتجًا يقطع مئات الكيلومترات من كربلاء إلى أسواق المحافظات العراقية.

فمنذ تأسيس المعمل عام 2017، أخذت التجربة تتوسع تدريجيًا، لتتحول من مشروع غذائي محلي إلى أحد المشاريع الإنتاجية التي تضع الصناعة الوطنية في مواجهة تحديات السوق والمنافسة.

واليوم، وبعد سنوات من العمل والتطوير، تصل الطاقة الإنتاجية المعلنة للمعمل إلى نحو 120 طنًا يوميًا من منتجات الألبان، فيما تمتد شبكة توزيعها من بغداد إلى البصرة ومحافظات عراقية أخرى. أرقام تختصر قصة توسع، لكنها لا تكشف وحدها ما يجري خلف خطوط الإنتاج؛ فكل عبوة تحمل وراءها حكاية تبدأ من المواد الأولية، وتمر بمراحل التصنيع والفحص والسيطرة النوعية، وتنتهي في يد المستهلك.

  • - كيف تحوّل مشروع بدأ عام 2017 إلى منظومة تنتج عشرات الأطنان يوميًا؟
  • - وما الذي يحدث داخل المعمل قبل أن تصل منتجاته إلى موائد العراقيين؟
  • - وهل استطاعت ألبان الكفيل أن تفرض لنفسها مكانًا في سوق شديد المنافسة؟

...... ومن هنا تبدأ الحكاية.


اقتباس

يؤكد سماحة العلامة السيد أحمد الصافي المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة- في مواقف عدة- على ضرورة النهوض بالمنتج العراقي الذي لا يرتبط بزيادة الإنتاج فحسب، وإنما ببناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على تقديم منتجات ذات جودة عالية، وتعزيز ثقة المستهلك بها، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد ويفتح آفاقًا أوسع أمام الاستثمار وتشغيل الأيدي العاملة.

ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية أوسع تؤكد أن الصناعة الوطنية تمثل إحدى الركائز المهمة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على موارده وإمكاناته، ولا سيما في القطاعات التي تمس الحياة اليومية للمواطن، ومنها الصناعات الغذائية.



من فكرة محلية إلى مشروع

لم تبدأ حكاية معمل ألبان الكفيل من خطوط إنتاج ضخمة، أو أرقام قياسية، بل من فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل رهانًا صناعيًا واقتصاديًا واسعًا؛ أن يجد المستهلك العراقي منتجًا محليًا قادرًا على منافسة ما يملأ رفوف الأسواق من منتجات مستوردة، من دون أن تكون الجودة أو السعر ثمنًا لهذه المنافسة.

ففي عام 2017، انطلقت تجربة المعمل بهدف إنتاج ألبان عراقية تجمع بين الجودة، والسلامة الغذائية، والسعر الملائم، ضمن توجه شركة نور الكفيل للمنتجات الحيوانية والغذائية نحو توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتعزيز حضور الصناعات الغذائية العراقية في السوق. ولم يكن إنشاء المعمل مجرد إضافة إلى قطاع الصناعات الغذائية، بقدر ما كان محاولة لبناء نموذج(أنموذج) إنتاجي يستند إلى الإمكانات المحلية، ويستجيب في الوقت نفسه لحاجة يومية لدى المستهلك.

فاللبن والزبادي ليسا من المنتجات التي يمكن أن تعتمد في نجاحها على الحملات التسويقية وحدها؛ إنهما حاضران بصورة شبه يومية على موائد الأسر العراقية، ولذلك فإن كسب المستهلك هنا يبدأ من المنتج نفسه.

مذاق ثابت، جودة موثوقة، سلامة في التصنيع، سعر مقبول، وتوفر مستمر في الأسواق؛ معادلة تبدو بسيطة، لكنها في واقع الصناعة الغذائية تحتاج إلى منظومة متكاملة تعمل بانسجام من لحظة دخول المواد الأولية إلى المصنع وحتى وصول العبوة إلى يد المستهلك.



الرهان الحقيقي

منذ خطواته الأولى، لم يكن التحدي أمام المعمل هو إنتاج الألبان فحسب، وإنما إقناع المستهلك بأن المنتج العراقي قادر على المنافسة. فالسوق لا يمنح ثقته بسهولة، ولا سيما في قطاع يرتبط بالغذاء والصحة، إذ يمكن لتجربة واحدة غير موفقة أن تؤثر في قرار الشراء، بينما تحتاج العلامة التجارية إلى أعوام من الالتزام حتى تبني سمعتها.

ولهذا أصبحت الجودة جزءًا أساسيًا من هوية التجربة؛ إذ إن المنتج الغذائي الناجح لا يُقاس بكمية ما ينتجه المصنع فقط، وإنما بقدرته على الحفاظ على مستوى ثابت من المواصفات مع ازدياد الإنتاج واتساع رقعة التوزيع.

وهنا تتداخل عوامل عدة: كفاءة خطوط الإنتاج، ودقة العمليات التصنيعية، والفحوصات المختبرية، وظروف التعبئة والتخزين، وسلسلة التبريد، وصولًا إلى طريقة نقل المنتج وعرضه في الأسواق.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة ألبان الكفيل بوصفها معركة على الثقة بقدر ما هي معركة على حصة سوقية؛ فكل عبوة تصل إلى المستهلك تمثل اختبارًا جديدًا لقدرة المنتج المحلي على الوفاء بالوعد الذي تقدمه العلامة التجارية.





سنوات صنعت التحول

ومع استمرار العمل، بدأت ملامح المشروع تتغير تدريجيًا، فالمعمل الذي انطلق عام 2017 لم يبقَ في حدود مشروع إنتاجي يخدم السوق المحلية في كربلاء، وإنما شهد توسعًا في حجم الإنتاج وتنوع المنتجات واتساع شبكة التوزيع.

ومع هذا التوسع، انتقلت التجربة من مرحلة إثبات القدرة على الإنتاج إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها الوصول والاستمرارية؛ أي أن يكون المنتج حاضرًا في الأسواق المختلفة، وبالكميات التي تلبي الطلب، وبالمواصفات نفسها التي اعتادها المستهلك.

وهنا بدأت شبكة التوزيع تلعب دورًا محوريًا في رسم مسار جديد للمشروع؛ فلم يعد حضور ألبان الكفيل مرتبطًا بمدينة كربلاء وحدها، بل امتد إلى محافظات عراقية متعددة، في رحلة تحتاج إلى منظومة لوجستية تحافظ على المنتج منذ خروجه من خطوط الإنتاج وحتى وصوله إلى نقاط البيع.

كان اتساع الانتشار نتيجة طبيعية لتراكم سنوات العمل والتطوير، فكلما ازدادت ثقة المستهلك بالمنتج، اتسعت قاعدة الطلب، وكلما اتسعت قاعدة الطلب، احتاج المعمل إلى رفع قدرته الإنتاجية وتطوير عملياته، لتدخل التجربة في دائرة من الإنتاج والتوسع والاستجابة للسوق.

وهكذا بدأت قصة المعمل تأخذ شكلًا مختلفًا: مشروع صناعي ينطلق من كربلاء، لكنه لا يتوقف عند حدودها؛ ومنتجات تحمل اسمًا محليًا تجد طريقها إلى أسواق محافظات أخرى، في مشهد يعكس محاولة لتوسيع حضور الصناعة الغذائية العراقية، وإعادة تقديم المنتج المحلي بوصفه خيارًا قادرًا على المنافسة وليس مجرد بديل للمنتج المستورد.

وإذا كان عام 2017 يمثل نقطة الانطلاق، فإن السنوات اللاحقة مثلت مرحلة اختبار حقيقية لقدرة المشروع على النمو؛ فالتحدي لم يعد في تشغيل المصنع فقط، وإنما في إدارة التوسع، والحفاظ على الجودة، وضمان استمرارية الإمداد، ومواكبة الطلب، وبناء شبكة توزيع قادرة على الوصول إلى المستهلك أينما كان.

ووراء كل عبوة من منتجات ألبان الكفيل قصة أكبر من محتواها الغذائي؛ فهي تمثل، من منظور أوسع، جزءًا من تجربة صناعية تراهن على أن المنتج العراقي يستطيع أن يجد لنفسه مساحة في سوق تنافسي، شرط أن يقدم للمستهلك ما يجعله يعود إليه مرة أخرى.

ولهذا لم يكن الهدف أن يخرج المنتج من المصنع وحسب، بل أن يخرج بهوية وجودة يمكن الدفاع عنهما في السوق. فالصناعة الغذائية لا تبني نجاحها في يوم واحد، وإنما عبر آلاف القرارات الصغيرة التي تبدأ من اختيار المواد الأولية، وتمر بالتقنيات المستخدمة في التصنيع، ولا تنتهي عند التغليف؛ بل تمتد إلى كيفية حفظ المنتج ونقله وتسويقه.

وبين عام التأسيس 2017 والسنوات التي تلت، أخذ معمل ألبان الكفيل يقطع مسافة متدرجة من مشروع محلي إلى تجربة إنتاجية أوسع انتشارًا. مسافة لا تختصرها زيادة الإنتاج وحدها، بل تلخصها أيضًا رحلة بناء الثقة، وتوسيع الأسواق، وتطوير منظومة العمل، وتحويل المنتج من منافس جديد على الرفوف إلى اسم حاضر في ذاكرة المستهلك.



120 طنًا يوميًا

في 2025، أعلن معمل ألبان الكفيل ان منتجه بلغ ما يقارب 120 طنًا من منتجات الألبان يوميًا، في مؤشر واضح على حجم التطور الذي شهدته التجربة منذ انطلاقتها عام 2017، وعلى اتساع قدرتها الإنتاجية لمواكبة الطلب المتزايد على منتجاتها في الأسواق العراقية.

إن 120 طنًا يوميًا تعني ببساطة أن المعمل بات يتعامل مع صناعة غذائية على نطاق واسع، وليس مع إنتاج محدود يخدم نطاقًا جغرافيًا ضيقًا. وكل طن إضافي يخرج من المصنع يحتاج إلى سلسلة متكاملة تضمن أن يصل المنتج إلى المستهلك بالمواصفات نفسها التي خرج بها من خط الإنتاج.

وبين عام التأسيس ووصول الإنتاج المعلن إلى نحو 120 طنًا يوميًا في 2025، مرت التجربة بسنوات من التطوير والتراكم في الخبرة.

وهي مسافة لا يمكن اختزالها في زيادة كمية الإنتاج وحدها؛ إذ تشمل بناء الكوادر، وتطوير خطوط التصنيع، وتوسيع منظومة الفحص والسيطرة النوعية، وتحسين عمليات التعبئة والتخزين والتوزيع.

وبذلك، فإن الرقم يمثل في جانب منه مؤشرًا على نضج المشروع الصناعي؛ فالمصنع الذي ينتج بهذا الحجم يحتاج إلى إدارة دقيقة للوقت والمواد والموارد والطاقة، فضلًا عن القدرة على التعامل مع تغيرات الطلب في السوق.

لا تنفصل هذه الزيادة في الإنتاج عن الهدف الأوسع المتمثل في دعم المنتج المحلي. فكلما ارتفعت قدرة المصانع العراقية على الإنتاج، ازدادت قدرتها على توفير بدائل محلية للسلع المستوردة، وفتح المجال أمام تشغيل الأيدي العاملة وتنشيط الصناعات والخدمات المرتبطة بها.

وفي قطاع الألبان تحديدًا، تتداخل الصناعة مع قطاعات أخرى مثل النقل والتغليف والتبريد والتوزيع والتسويق، ما يجعل أثر المصنع يتجاوز حدود أسواره. وكلما اتسع نطاق الإنتاج، اتسعت معه الحاجة إلى هذه الخدمات والأنشطة الساندة.

وبين 120 طنًا تنتج يوميًا و43.8 ألف طن كطاقة حسابية سنوية افتراضية، تتضح صورة مشروع انتقل خلال سنوات قليلة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإنتاج على نطاق واسع؛ ليصبح الرقم في هذه الحالة أكثر من مجرد إحصائية، بل شاهدًا على رحلة صناعة عراقية تحاول أن تحول القدرة الإنتاجية إلى حضور حقيقي على مائدة المستهلك.



أربعة خطوط للشنينة وسبعة للزبادي

تتوزع العملية الإنتاجية في المعمل على خطوط متخصصة؛ إذ يضم أربعة خطوط لإنتاج اللبن (الشنينة)، إلى جانب سبعة خطوط لإنتاج اللبن الزبادي بأحجام وأوزان مختلفة.

وتشمل المنتجات أحجامًا متعددة، من بينها عبوات اللتر، والنصف لتر، و250 مل و300 مل، فضلًا عن أوزان مختلفة من الزبادي، وهي أحجام اختيرت لتلائم أنماط الاستهلاك والطلب في السوق العراقية

وهذا التنوع لا يتعلق بالشكل التجاري للمنتج فحسب، بل يعكس محاولة للاستجابة لشرائح مختلفة من المستهلكين، من الاستخدام العائلي اليومي إلى المنتجات ذات الأحجام الصغيرة.

ووراء العبوة التي تصل إلى المستهلك سلسلة طويلة من الإجراءات الفنية. ووفق شرح المسؤول عن خطوط الإنتاج إبراهيم عباس، تبدأ العملية بوصول المواد الأولية إلى المعمل، ثم تمر بمرحلة الخلط، تليها عملية التجنيس لضمان تجانس المكونات، قبل الانتقال إلى البسترة بدرجات حرارة مدروسة للقضاء على الأحياء المجهرية الضارة.

أما في إنتاج الزبادي، فتدخل المادة بعد ذلك مرحلة الحضن التي تستمر نحو أربع ساعات، لتبدأ عملية التخمر الخاصة بإنتاج الزبادي، ثم تمر بمرحلة معالجة حرارية وفق ضوابط محددة، قبل الانتقال إلى التبريد والحفظ.



الجودة لا تنتهي عند بوابة المصنع

لا تنتهي مسؤولية المعمل بمجرد خروج المنتج من خط الإنتاج. فبحسب المعلومات المنشورة عن المعمل، تحفظ المنتجات في درجات حرارة منخفضة تصل إلى نحو 5 درجات مئوية، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن التخزين في مراكز التوزيع يتم عند درجات تتراوح بين 4 و5 درجات مئوية.

وتكتسب سلسلة التبريد أهمية خاصة لأن المنتجات خالية من المواد الحافظة، ولذلك تعتمد المحافظة على سلامتها وجودتها على الالتزام بظروف التصنيع والتبريد والتخزين المناسبة

وبحسب المعمل، تمتد مدة صلاحية المنتج لأكثر من شهر في ظروف الحفظ المحددة، من دون الحاجة إلى استخدام مواد حافظة.

وفي صناعة الأغذية، لا يكفي أن تبدو العبوة سليمة أو أن يكون المنتج مقبول الطعم؛ لذلك يحتل المختبر موقعًا أساسيًا في منظومة العمل.

وقال مسؤول وحدة المختبر محمد الأعرجي إلى أن عينات تؤخذ بصورة مستمرة من خطوط الإنتاج، وتخضع للفحص قبل التعبئة وبعدها للتأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة.

كما تخضع المنتجات لفحوصات ورقابة صحية دورية من الجهات المختصة، بينها فحوصات شهرية وعينات عشوائية.

المعمل يجري فحوصات يومية داخل مختبراته، إلى جانب الفحوصات الشهرية التي تجريها دائرة صحة كربلاء المقدسة ، وهكذا تتحول الرقابة من مرحلة نهائية إلى عملية ترافق المنتج منذ دخوله خطوط الإنتاج وحتى خروجه إلى السوق.



أين يبدأ المنتج الوطني وأين ينتهي؟

تعتمد صناعة ألبان الكفيل، بحسب إدارة المعمل، بصورة رئيسة على مسحوق الحليب (الباودر) المستورد، فضلاً عن أن مادة الزبد، في ظل محدودية إمكانات إنتاج الحليب الطازج العراقي بكميات كافية تلبي احتياجات هذا النوع من الصناعة، لكن مقابل ذلك، شهدت بعض مدخلات الإنتاج تحولًا باتجاه المصادر المحلية؛ إذ أصبحت العبوات المستخدمة في التعبئة تُجهز من مصانع أهلية داخل محافظة كربلاء بعد أن كانت مستوردة من الخارج، وهو ما يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة دعم الصناعة العراقية

وهنا تظهر إحدى مفارقات الصناعة المحلية: فقد يكون المنتج عراقيًا، فيما لا تزال بعض مواده الأولية مستوردة، لكن توطين أجزاء أكبر من سلسلة الإنتاج يمكن أن يفتح الطريق أمام تقليل الاستيراد مستقبلًا كلما تطورت الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الساندة.

ولم يبق انتشار منتجات المعمل محصورًا في كربلاء؛ فشركة نور الكفيل تتولى عمليات التسويق والتوزيع عبر شبكة من مراكز البيع والتوزيع التي تمتد من بغداد إلى البصرة، فيما تشير الشركة إلى وصول منتجاتها إلى معظم المحافظات العراقية.

وهذا الانتشار يمنح المشروع بعدًا اقتصاديًا يتجاوز عملية التصنيع نفسها؛ فكل عبوة تصل إلى سوق بعيدة تحتاج إلى منظومة نقل وتخزين وتبريد وتوزيع وتسويق، ما يعني أن الأثر الاقتصادي للمصنع يمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة به.

فإنَّ سعر قنينة اللبن يصل إلى نحو ألف دينار عراقي، وهذا السعر من العوامل التي تعزز قدرة المنتج على المنافسة في السوق ، وبالنسبة للمستهلك، فإن معادلة شراء المواد الغذائية اليومية تقوم غالبًا على ثلاثة عناصر: السعر، والجودة، والثقة ، ولذلك فإن قدرة منتج محلي على الجمع بين هذه العناصر تمنحه فرصة أكبر للحضور في سوق تتعدد فيه العلامات التجارية.

وتتغير خريطة الطلب على المنتجات الغذائية في العراق تبعًا للمواسم، ويبدو ذلك واضحًا في منتجات الألبان التي ترتفع الحاجة إليها خلال شهر رمضان المبارك ومواسم الزيارات المليونية.

وتتجاوز كميات الإنتاج في بعض المواسم حاجز 100 طن يوميًا لتلبية احتياجات المستهلكين ، مع وصول معدل الإنتاج إلى نحو 120 طنًا يوميًا، يصبح التعامل مع الذروة الموسمية جزءًا أساسيًا من التخطيط الإنتاجي والتوزيعي للمصنع.



الصناعة لا تنتج الغذاء فقط

لا يقتصر أثر المصنع على ما يخرج من خطوطه من عبوات؛ فهناك أثر آخر يظهر في الوظائف التي يوفرها وفي الخبرات التي يراكمها.

فإنَّ الكادر العامل فيه عراقي بالكامل، ويضم موظفي إنتاج ومختبرات وصيانة ومحاسبة وعمالًا، مع تفضيل تشغيل أبناء المناطق القريبة لتسهيل وصولهم إلى العمل، ولا سيما خلال مواسم الزيارات والمناسبات التي تشهد فيها كربلاء ازدحامًا مروريًا كبيرًا.

كما وأن العاملين يتمتعون بحقوق وظيفية، ومسجلون في الضمان الاجتماعي ويتقاضون رواتبهم بصورة منتظمة ، وبذلك تتحول الآلة الصناعية إلى مساحة لاكتساب الخبرة وتشغيل الأيدي العاملة وبناء كوادر قادرة على إدارة عمليات إنتاجية متخصصة.



من معمل إلى منظومة غذائية

معمل ألبان الكفيل ليس مشروعًا منفصلًا عن منظومة أكبر؛ فهو تابع لشركة نور الكفيل للمنتجات الحيوانية والغذائية، التي تعمل في مجالات متعددة تشمل المنتجات الحيوانية والزراعية والغذائية ومنتجات الألبان.

وتشير الشركة إلى أنها عملت على إنشاء مراكز للبيع المباشر في كربلاء ثم النجف وبغداد، قبل أن تتوسع شبكة توزيعها لتصل إلى معظم المحافظات العراقية، مع متابعة مراحل الإنتاج والتأكد من سلامة المنتجات ومطابقتها للمواصفات.

وهذا يعني أن تجربة ألبان الكفيل يمكن قراءتها ضمن منظومة متكاملة تتكون من الإنتاج، والرقابة، والتسويق، والتوزيع، لا بوصفه مصنعاً يقوم بإنتاج سلعة غذائية فحسب.

فبين 2017، عام تأسيس المعمل، و2026، تبدو المسافة أكبر من تسع سنوات على التقويم؛ إنها مسافة توسع في الإنتاج والانتشار والخبرة وتطوير خطوط العمل.

فالمشروع الذي بدأ بهدف توفير منتجات ألبان محلية، أصبح اليوم ينتج نحو 120 طنًا يوميًا، ويمتلك 11 خطًا إنتاجيًا بحسب تقسيم خطوط الشنينة والزبادي ، ويصل إنتاجه عبر شبكة التوزيع إلى محافظات عراقية عدة.

كما انتقلت بعض مدخلات الصناعة من الاستيراد إلى التجهيز المحلي، في مثال على أن بناء الصناعة الوطنية لا يحدث دفعة واحدة، وإنما عبر توطين أجزاء متتابعة من سلسلة الإنتاج.



في الأربعين.. «ألبان الكفيل» تروي ظمأ الزائرين وتساند مواكب الخدمة

في مسيرةٍ تمتد لمئات الكيلومترات نحو كربلاء، وبين حرارة الطقس وكثافة الحشود، لا تبدو عبوة اللبن أو الزبادي مجرد منتج غذائي، بل تتحول إلى جزء من مشهد الخدمة الذي يرافق الزائرين في طريقهم إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

وفي هذا المشهد، يحضر معمل ألبان الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة، ضمن منظومة الإسناد الغذائي والخدمي التي تتسع في موسم الزيارة الأربعينية، واضعاً منتجاته في متناول الزائرين وأصحاب المواكب، عبر توزيعها مجاناً ضمن الخدمات التي تقدمها العتبة، إلى جانب توفيرها بأسعار تعاونية ومخفضة خصيصاً للمواكب الحسينية.

ولا تنحصر أهمية هذا الدور في توفير الغذاء فحسب، بل تمتد إلى مساندة أصحاب المواكب في أداء مهمتهم الخدمية؛ إذ تتيح الأسعار المخفضة لهم الحصول على مختلف منتجات الألبان بكميات مناسبة، بما يساعدهم على إعداد الوجبات وتقديمها لملايين الزائرين الذين تتوافد جموعهم إلى كربلاء.

في أجواء الأربعين، حيث ترتفع درجات الحرارة وتطول مسافات المسير، يكتسب اللبن والزبادي والشنينة المبردة أهمية خاصة في موائد الخدمة، لما توفره من انتعاش وترطيب للزائرين.

ومن هنا يأتي ضخ كميات كبيرة ومتواصلة من هذه المنتجات ليواكب حجم الطلب المتزايد، ويضمن استمرار وصولها إلى المواكب التي تنتشر على الطرق والمحاور المؤدية إلى مدينة كربلاء.

فعبوة اللبن التي تصل إلى يد الزائر في لحظة تعب، أو كوب الشنينة الباردة الذي يخفف وطأة الطريق، يحملان في تفاصيلهما معنى أكبر من المنتج ذاته؛ إنهما صورة من صور التكافل والخدمة التي تتسابق إليها المؤسسات والمواكب في موسم الزيارة.

ولمواجهة الطلب الاستثنائي الذي تفرضه الزيارة المليونية، يعمل المعمل وفق طاقة إنتاجية مكثفة، مع تشغيل عشرة خطوط إنتاج متكاملة على مدار الساعة، بما يضمن استمرار تجهيز المنتجات وعدم انقطاعها عن الأسواق ومواقع الخدمة.

ولا تتوقف عملية الإسناد عند حدود الإنتاج، إذ تتكامل معها منظومة النقل والتوزيع عبر شاحنات مبردة تابعة للشركة، تتولى إيصال المنتجات مباشرة إلى المواكب المنتشرة على المحاور الرئيسية المؤدية إلى كربلاء.

وتتحرك عمليات التجهيز باتجاه محاور النجف وبغداد والحلة، وهي طرق تشهد تدفقاً كثيفاً للزائرين خلال أيام الزيارة، لتصل المنتجات إلى أماكن الخدمة وهي محتفظة ببرودتها وجودتها.

ويستند المعمل في تجهيزاته إلى تقديم منتجات ألبان طازجة، خالية من المواد الحافظة، ومصنعة وفق معايير الرقابة الصحية والشرعية، بما يجعل الجودة جزءاً أساسياً من الخدمة المقدمة.

فالغاية ليست الوصول إلى أكبر كمية ممكنة من المنتجات فحسب، وإنما الحفاظ على معايير الجودة والسلامة في كل مرحلة؛ من التصنيع والتعبئة، وصولاً إلى النقل والتوزيع والتقديم.

ويكشف حضور «ألبان الكفيل» في موسم الأربعين عن صورة أوسع لدور الصناعات التابعة للعتبة العباسية المقدسة؛ فالمعامل لا تعمل بمعزل عن المشهد الخدمي، وإنما تتحول إمكاناتها الإنتاجية إلى جزء من منظومة متكاملة، هدفها إسناد الزيارة وتلبية احتياجات الزائرين والمواكب.

فالمصنع ينتج، والشاحنات تنقل، والمواكب تستقبل، والزائر يجد ما يحتاجه على امتداد الطريق؛ سلسلة متكاملة تتضافر فيها القدرات الصناعية واللوجستية مع الجهد التطوعي والخدمي الذي تقدمه المواكب.

وهكذا، في الأربعين، لا تسير الخدمة على طريق واحد؛ فالزائر يمضي نحو كربلاء، وفي المقابل تتحرك معه منظومة واسعة من الإمداد والإنتاج، لتبقى موائد الخدمة عامرة، والمياه والمشروبات والأغذية حاضرة، ويجد الزائر في كل محطة ما يخفف عنه عناء الطريق.

إنها صناعة تتحول إلى خدمة، وإنتاج يتحول إلى عطاء؛ وفي كل عبوة ألبان تصل إلى الزائر حكاية أخرى من حكايات البذل في طريق الأربعين.



العبوة التي تحمل قصة أكبر من حجمها

قد تبدو عبوة اللبن على رف أحد المتاجر منتجًا غذائيًا عاديًا، لكنها في حالة معمل ألبان الكفيل تختصر قصة مشروع تأسس في كربلاء عام 2017، توسع في خطوطه وإنتاجه، إذ وظّف كوادر عراقية، وأدخل الرقابة المختبرية في صلب العملية الإنتاجية، و وسّع شبكة توزيعه، ووصل في أحدث الأرقام المنشورة إلى نحو 120 طنًا يوميًا.

إن قصة ألبان الكفيل لا تُروى فقط من داخل المصنع، بين خزانات الخلط وخطوط التعبئة؛ بل تُروى أيضًا في الأسواق التي تصل إليها منتجاته، وفي فرص العمل التي يوفرها، وفي العبوة التي تنتقل من كربلاء إلى محافظات أخرى، حاملة معها سؤالًا أكبر: هل يستطيع المنتج العراقي أن يستعيد موقعه على مائدة العراقيين؟

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة