alkafeelGlobal alkafeelGlobal

قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية: مشروع حضاري لإحياء التراث وصناعة المعرفة

قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية: مشروع حضاري لإحياء التراث وصناعة المعرفة
التراث الإسلامي،السجل الذي وثق مسيرة العلماء والمفكرين والأدباء عبر القرون، فهومن أبرز الثوابت الحضارية التي تحفظ للأمة الإسلامية هويتها وذاكرتها، ويختزن كنوزا علمية وفكرية وثقافية تمثلت بآلاف المخطوطات والمؤلفات التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية وأثرت بمختلف ميادين المعرفة الإنسانية.

وتعرض هذا الإرث الكبير عبر الأزمنة إلى عوامل الضياع والإهمال والتلف، الأمر الذي استدعى وجود مؤسسات علمية متخصصة تتولى مهمة الحفاظ عليه وإحيائه وتقديمه للأجيال المعاصرة.

تبنت العتبة العباسية المقدسة هذه المسؤولية الحضارية، وأسست قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية ليكون حاضنة علمية متخصصة تعنى بإحياء التراث الإسلامي وتحقيقه وفهرسته ورقمنته ونشره؛ ممّا يسهم في صيانة الذاكرة العلمية للأمة وربط حاضرها بماضيها الحضاري العريق.



إحياء التراث واجب معرفي

إنإحياء التراث يتطلب صيانة المخطوطات وحفظها من التلف، فهو مسؤولية معرفية تهدف إلى ديمومة حضور النتاج العلمي والفكري للأمة عبر مسيرتها في الحياة، بما يحمله هذا النتاج من تجارب ومعارف أسهمت في تشكيل هويتها الحضارية ؛ لذلك أكد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة أحمد الصافي في العديد من خطابته، أن التراث هو ثروة علمية وفكرية وحضارية يحفظ للامة الإسلامية هويتها وذاكرتها المعرفية، ويجب بذل أقصى الجهود من أجل إبرازه، والحفاظ علية ونشره بمختلف الأساليب الحديثة.

ودعا سماحته إلى إحياء هذا الإرث العلمي والفكري ومواصلة العمل على جمع المخطوطات وتحقيقها وفهرستها ونشرها، بما يضمن صيانتها من الضياع والتلف، وإتاحتها للباحثين وطلبة العلم؛ لتبقى مصدرا رصينا للمعرفة وجسرا يربط الأجيال الحاضرة بمورثها العلمي والحضاري.



الانطلاق والشروع

إن تأسيس مشروع يعنى بالتراث الإسلامي كان وما زال يعبر عن الرؤية الثقافية والمعرفية للعتبة العباسية المقدسة، فضلا عن كونه محطة إدراك بأهمية التراث بوصفه أحد المرتكزات الرئيسة لحفظ الذاكرة العلمية والفكرية.

ومن هذا المنطلق، في عام 2014، خطت العتبة العباسية المقدسة أولى الخطوة المهمة في مشروعها الثقافي والمعرفي، بتأسيس قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية، انطلاقا من إيمانها بأن التراث الإسلامي هو إرث تأريخي، وذاكرة الامة ومستودعها العلمي.

ومنذ البداية عمل قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية على تحقيق الكتب والمخطوطات التراثية وإصدارها بصورة علمية دقيقة ورصينة، فضلا عن إصدار المجلات المحكمة وتنظيم المؤتمرات والندوات والمعارض الثقافية والمعرفية التي تسهم في نشر الوعي التراثي وتعزيز الحراك العلمي.

وتبنى قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية مشاريع متخصصة في رقمنة التراث وتوظيف التقنيات الحديثة لحفظه وأرشفته وضمان تيسير إتاحته للباحثين المهتمين، بما يضمن ديمومة هذا الإرث العلمي وتوافره للجميع.



منظومة متكاملة لخدمة التراث

يتميز قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية بهيكلية تنظيمية متكاملة صممت بما ينسجم مع طبيعة أعماله العلمية والثقافية والتراثية، ويضم مجموعة من الشعب والمراكز التخصصية التي تتكامل فيما بينها لتحقيق أهداف القسم في مجال إحياء التراث الإسلامي والإنساني وخدمة الحركة العلمية والمعرفية.

ويتكون القسم من ثلاث شعب رئيسة داخل محافظة كربلاء المقدسة، وهي الشعبة الإدارية والمالية، وشعبة الرعاية المعرفية، وشعبة الإعلام المعرفي التي يجري العمل على تغيير تسميتها إلى شعبة النشاطات والتنسيق، فضلا عن مركز تراث الجنوب في محافظة ذي قار (الناصرية)، ومركز التراث الإسلامي في مدينة مشهد المقدسة، إذ تعمل هذه التشكيلات بصورة متكاملة من ضمن رؤية موحدة تهدف إلى حفظ التراث الإسلامي وإحيائه ونشره وتوظيفه في خدمة الحركة العلمية والثقافية المعاصرة.

وتضم هذه التشكيلات (24) وحدة متخصصة تتوزع تخصصاتها بين الجوانب الإدارية والعلمية والإعلامية والفنية، إذ تتولى الشعبة الإدارية والمالية إدارة الموارد البشرية والمالية والأرشفة الإلكترونية والخدمات الإدارية المختلفة، بما يضمن انسيابية العمل ودقة المتابعة.

أما شعبة الرعاية المعرفية فتعنى بالإصدارات والدوريات العلمية وإدارة المشاريع البحثية والمعرفية، في حين تتولى شعبة الإعلام المعرفي إنتاج المحتوى الإعلامي وإدارة المنصات الإلكترونية والتصاميم الفنية والتغطيات الإعلامية للفعاليات والأنشطة.

وفي جانب التوسع الجغرافي والتخصصي، يواصل مركز تراث الجنوب جهوده في توثيق وإحياء التراث الفكري والثقافي لمحافظات جنوب العراق، عبر الدراسات وفهرسة المخطوطات وتحقيقها ونشرها، بينما يضطلع مركز التراث الإسلامي في مدينة مشهد المقدسة بمهمة خدمة التراث الإسلامي عن طريق التحقيق والإعداد العلمي والإخراج الفني للنتاجات التراثية، بما يعزز الحضور العلمي للقسم خارج العراق.

تستند هذه الهيكلية إلى نظام إداري حديث يعتمد الأرشفة الرقمية وقواعد البيانات الإلكترونية في توثيق الأعمال والإنجازات وإدارة المراسلات الرسمية بين الشعب والوحدات المختلفة، الأمر الذي أسهم في تسريع الإجراءات الإدارية ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وأسهمت هذه البنية التنظيمية في تمكين القسم من إدارة عشرات المشاريع العلمية والتراثية، وإصدار مئات الكتب المحققة، وتنظيم المؤتمرات والندوات والمعارض والدورات التخصصية التي أسهمت في تعزيز حضوره في الساحة العلمية والثقافية.





275 إصدارا علميا ومشاريع موسوعية رائدة

أثمرت جهود قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية منذ تأسيسه في إصدار أكثر من (275) كتابا محققا ومؤلفا في مجالات التراث الإسلامي والفقه والتأريخ والفكر والحديث والأصول والدراسات الإنسانية ؛ لتتحول هذه الإصدارات إلى مراجع علمية يعتمد عليها الباحثون والأكاديميون وطلبة الدراسات العليا والحوزات العلمية.

تخضع الإصدارات لمراحل علمية دقيقة تبدأ بجمع النسخ الخطية والمصادر، مرورا بالتحقيق والتدقيق والمراجعة العلمية، وصولا إلى الإخراج الفني والطباعة، بما يضمن تقديم نتاج علمي رصين ينسجم مع المعايير الأكاديمية المعتمدة.

و إلى جانب الكتب والتحقيقات العلمية، يعمل القسم على مشاريع بحثية موسوعية كبرى تمثل إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية، أبرزها موسوعة نهج البلاغة وموسوعة المؤلفات الإمامية وموسوعة النجوم الزاهرة، هذه المشاريع تتطلب جهودا علمية متراكمة وفرق عمل متخصصة، إذ يمتد العمل في بعضها لأكثر من عشر سنوات ؛ نظرا لما تستلزمه من جمع للمصادر والوثائق، وتحقيق وتدقيق ومراجعات علمية شاملة تضمن دقة المادة العلمية ورصانتها.

أما مشاريع إصدار الكتب والمجلدات فتتراوح مدة إنجازها بين ستة أشهر وسنة ونصف، تبعا لطبيعة المادة العلمية وحجمها ومتطلبات التحقيق والمراجعة والإخراج الفني، بما يضمن تقديم إصدارات علمية رصينة تلبي احتياجات الباحثين وطلبة العلم.



جسورٌ معرفية بين الجامعات والمكتبات

يعمل قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية بصورة مستمرة في رفد المكتبات الجامعية والمركزية والدينية في مختلف المحافظات العراقية بإصداراته العلمية والتراثية.

ويمد القسم جسور التعاون مع الجامعات والكليات المتخصصة في العلوم الإنسانية، عن طريق تزويد مكتباتها بالإصدارات الحديثة التي تمثل مراجع مهمة في مجالات الفقه والتأريخ والتراث والفكر الإسلامي، الأمر الذي جعل من نتاجاته العلمية مصادر معتمدة في كثير من الدراسات والبحوث الأكاديمية.

وفي جانب نشر المعرفة والتعريف بمشاريعه العلمية، يشارك القسم سنويا في أكثر من (22) معرضا للكتاب داخل العراق وخارجه، عارضا أحدث إصداراته وتحقيقاته العلمية أمام جمهور واسع من القراء والباحثين.

وإلى جانب نشاطه في مجال النشر، ينظم قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية مؤتمرات علمية وندوات تخصصية وورشًا تدريبية ودورات تطويرية تسهم في ترسيخ ثقافة البحث والتحقيق والتأليف، وتوفر بيئة علمية لتبادل الخبرات بين الباحثين والأكاديميين والمحققين.

وقد تناولت هذه الفعاليات موضوعات متنوعة في التراث الإسلامي، وتحقيق المخطوطات، ومنهج البحث العلمي، والتأريخ، والتراجم، والفكر الإسلامي، فضلاً عن تسليط الضوء على الإرث الثقافي والعلمي للمدن العراقية.

أسهم هذا الحضور المستمر في تعزيز انتشار إصدارات القسم وتوسيع دائرة الإفادة منها، فضلا عن ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز المؤسسات المتخصصة في خدمة التراث الإسلامي ونشر المعرفة الرصينة.



رسالة معرفية ترافق الزائرين

يؤدي قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية دورا ثقافيا وتوعويابارزا في أيام الزيارات المليونية، ولا سيما زيارة الأربعين، ويقدم برامج وأنشطة معرفية تسهم في نشر الوعي الديني والثقافي بين الزائرين وإحياء التراث الإسلامي المرتبط بهذه المناسبات المباركة.

ويشارك القسم في الموكب الثقافي المركزي الذي تقيمه العتبة العباسية المقدسة على طرق الزائرين في أكثر من محطة، فضلا عن تنظيم أنشطة تثقيفية وإرشادية متنوعة، وطباعة أكثر من (4500) بوستر توعوي يتم توزيعها على المواكب الحسينية ونشرها على طرق الزائرين، متضمنة رسائل إرشادية وتوعوية تسهم في تعزيز السلوك الحضاري وترسيخ القيم الدينية والإنسانية المستلهمة من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).



التراث.. ذاكرة تحفظ ومعرفة تستثمر

وبهذا المسار، لم يكن إحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة مشروعا يتوقف عند حفظ المخطوطات وإصدار الكتب ؛ بل أصبح منظومة معرفية متكاملة تجمع بين صيانة المصادر، وتحقيقها، ورقمنتها، ونشرها، وإيصالها إلى الباحثين والمؤسسات العلمية، فضلا عن توظيفها في الفعاليات الثقافية والمعرفية التي تصل إلى شرائح واسعة من المجتمع.

وقد أسهم هذا العمل المتراكم في إعادة تقديم جانب من الإرث العلمي الإسلامي في ضمن سياق معرفي معاصر، يتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من مصادرها الأصيلة والإفادة منها في البحث والدراسة ؛ فإحياء التراث عند قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة لا يعني استعادة الماضي بوصفه زمنا منقضيا، وإنما هو استثمار ما تركه العلماء والمفكرون من منجز علمي في بناء الحاضر وتعزيز وعي الأجيال بهويتهم الحضارية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة