alkafeelGlobal alkafeelGlobal

دفن الأجساد الطاهرة: شرفٌ لا يتوقف عند جيل، بل يُعاد كل عام مع  الإمام الحسين (عليه السلام)

دفن الأجساد الطاهرة: شرفٌ لا يتوقف عند جيل، بل يُعاد كل عام مع  الإمام الحسين (عليه السلام)
في كربلاء، لا تُقفل الحكاية عند صليل السيوف، ولا تنتهي المأساة بانطفاء المعركة؛ فهناك، حيث يهدأ الغبار على أرض الطف، تبدأ فصولٌ متنوعة أكثر وجعاً وخلوداً.

إنها لحظةُ الأجساد الطاهرة حينما تُترك شاهدةً على الفقد ؛ لتتحول الرمال إلى شاهدٍ صامتٍ على أعظم مصابٍ عرفه التأريخ.

وفي الثالث عشر من المحرم، لا يُستعاد حدثٌ مضى فحسب، بل يُستحضر وجعٌ ما زال حيّاً في الوجدان، كأن كربلاء تعيد ترتيب ذاكرتها لتروي أن الدفن نفسه كان ملحمةً من الوفاء، وأن الأرض لم تغلق أبوابها أمام الشهادة، بل احتضنتها لتبقى حيّةً إلى الأبد.



ذاكرة الطف التي لا تُدفن

تمثل شعيرة «دفن الأجساد الطاهرة» والمعروفة شعبياً بـ«عزاء بني أسد»، واحدةً من أقدم وأعمق الشعائر الحسينية التي ما تزال حاضرة في الوجدان الكربلائي، بوصفها امتداداً مباشراً لمأساة الطف وتجسيداً رمزياً للحظة ما بعد المعركة، حينما تحوّل الصمت فوق رمال كربلاء إلى فعلٍ تأريخي يشيّع الأجساد الطاهرة إلى مثواها الأخير.

وتعود الجذور التأريخية لهذه الشعيرة إلى الثالث عشر من شهر المحرم الحرام سنة 61هـ، أي بعد ثلاثة أيام فقط من واقعة كربلاء، حينما بقيت الأجساد الطاهرة للإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) على أرض المعركة بلا مواراة، شاهدةً على عظم المصاب وامتداد المأساة.

في تلك اللحظة المفصلية، برز دور قبيلة بني أسد التي كانت تقطن بالقرب من أرض الطف في منطقة الغاضرية.

وقد رُوي أن نساء القبيلة كنّ أول من وصل إلى محيط المصرع، فشاهدن المشهد المروّع، ثم عدن إلى رجالهنّ يحملن ثقل الصورة ونداء الواجب، فكان لهنّ الدور الأول في تحريك الوعي الجمعي نحو ضرورة دفن الأجساد الطاهرة وإكرامها بما يليق بمقامها.

وتشير الروايات إلى حضور الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) إلى كربلاء في ذلك اليوم، ليقوم بتشخيص الأجساد الطاهرة ومساعدة بني أسد في مواراتها الثرى، مؤكداً مكانة الإمام المعصوم في إدارة هذا المشهد الإلهي، ولا سيما في مواراة جسد الإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام) وسائر الشهداء.

وهكذا لم يكن دفن الأجساد مجرد إجراءٍ تأريخي، بل تحوّل إلى لحظة تأسيسية في الذاكرة الحسينية، تُختصر فيها معاني الوفاء الإنساني، والامتداد العقائدي، والارتباط الروحي بواقعة الطف، حيث صار الدفن نفسه جزءاً من المأساة، وامتداداً لصوتها الذي لم ينقطع.

ومنذ ذلك الزمن، بقيت هذه الواقعة حيّة في الوجدان، تتوارثها الأجيال بوصفها شهادةً على أن كربلاء لم تنتهِ عند سيف المعركة، بل استمرت حتى لحظة مواراة الأجساد الطاهرة، لتبقى الأرض شاهدةً على دمٍ لم يُمحَ، وعلى تأريخٍ لا يُدفن، بل يُستعاد في كل عام من جديد.



تحوّل الوفاء إلى موكبٍ مؤسَّس

يمثّل عزاء دفن الأجساد الطاهرة، المعروف بـ«عزاء بني أسد»، أحد أبرز المواكب الحسينية الشعبية المنظمة في كربلاء، إذ تشكّل في صورته المؤسَّسة مطلع القرن العشرين، وتحديداً نحو عام 1913م، بوصفه امتداداً شعائرياً لواقعة دفن شهداء الطف، وتجسيداً حيّاً لموقف بني أسد التأريخي في مواراة أجساد الإمام الحسين وأصحابه (عليهم السلام) في أرض كربلاء.

وقد جاء تأسيس هذا العزاء في سياقٍ تأريخي مضطرب، شهدته البلاد في أواخر العهد العثماني قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث كانالعراق يعيش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، برزت بوساطتها الحاجة إلى تعزيز الهوية الدينية والاجتماعية للقبائل العربية، وربطها بشكل أوثق بالذاكرة الحسينية بوصفها مرجعية وجدانية جامعة.

وكانت مواساة بني أسد لواقعة الدفن تُمارس في السابق بصورة عفوية ومتناثرة بين القرى المحيطة بكربلاء من دون إطار موحّد أو تنظيم مركزي.

لكن هذا التشتت دفع الوجهاء وأعيان المدينة إلى تبنّي فكرة تحويل هذه المواساة إلى موكبٍ جامع، ينطلق من نقطة ثابتة وبهوية واضحة، تتقدمه عشيرة بني أسد بوصفها الطرف التأريخي الذي اضطلع بواجب دفن الأجساد الطاهرة.

وقد لعب السيد جودة بن السيد علوش المحنّا (المتوفى 1312هـ) الدور الأبرز في بلورة هذا المشروع وتنظيمه، وهو أحد وجهاء كربلاء المعروفين بانتمائه الشريف، إذ بادر إلى جمع رؤساء العشائر والقبائل القاطنة في كربلاء وأطرافها في ديوانه، الذي أصبح فيما بعد مزاراً يُنسب إليه في جنوب المدينة.

وفي ذلك الاجتماع، تم الاتفاق على إحياء هذا العزاء في اليوم الثالث عشر من المحرم، عبر مسيرة رمزية تُحاكي مشهد الدفن، تتضمن حمل نعشٍ رمزي وأدوات الحفر، في استحضارٍ وجداني لواقعة الطف وما بعدها.

ولم يكن هذا التحول ليأخذ شكله المنظم لولا الدعم المعنوي والشرعي الذي حظي به من المرجعية الدينية العليا آنذاك، ممثلةً بالمرجعين الكبيرين الميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد محمد كاظم اليزدي، اللذين أضفيا على هذا التحرك طابعاً شرعياً واجتماعياً عزّز من حضوره، وأسهم في تثبيته كممارسة شعائرية ذات بعدٍ ديني راسخ.

و يُروى أن نساء بني أسد كان لهنّ دورٌ محوري في إحياء فكرة هذا الموكب، إذ طالبن الرجال في مطلع القرن العشرين بتحويل ذكرى الدفن إلى طقسٍ سنوي معلن، وفاءً لموقف أجدادهنّ التأريخي في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، فكان صوت المرأة هنا شرارةً جديدة أعادت تشكيل الذاكرة الجمعية حول هذه الحادثة.

ومع اتساع المشاركة، انضمت إلى هذا العزاء عشائر وبيوتات كربلائية وعراقية معروفة، منهم : بنو أسد وآل يسار والمسعود وبنو تميم، حيث كانت تتجمع سنوياً عند مقبرة السيد جودة المحنّا، لتنطلق ككتلة بشرية واحدة باتجاه الحرمين الشريفين، في مشهدٍ يجمع بين الوفاء التأريخي والتنظيم الشعائري الحديث.

وهكذا تحوّل عزاء بني أسد من ممارسةٍ عفوية متناثرة إلى موكبٍ شعبي مؤسَّس، يحمل ذاكرة الدفن الأولى، ويعيد إنتاجها في كل عام بوصفها فعلاً رمزياً لاستمرار الحضور الحسيني في الوعي الجمعي، وامتداداً حيّاً لذاكرة كربلاء التي لا تنطفئ.





طقوس العزاء

تنطلق مراسم عزاء دفن الأجساد الطاهرة (عزاء بني أسد) سنوياً في اليوم الثالث عشر من شهر المحرم الحرام، بعد أداء صلاة الظهرين مباشرة، في توقيتٍ يستحضر رمزية اللحظات الأخيرة من واقعة الطف وما أعقبها من مشهد مواراة الأجساد الطاهرة.

وتبدأ نقطة التجمع الأولى في محيط مرقد السيد جودة المحنّا (المقبرة القديمة) جنوب مدينة كربلاء المقدسة، حيث تتوافد القبائل العربية، وفي مقدمتها قبيلة بني أسد، من مختلف المحافظات العراقية، لتشكيل تجمعٍ شعائري واسع ينطلق باتجاه المدينة القديمة.

ويتميّز العزاء بحضورٍ نسوي لافت، إذ تتقدم المسيرة آلاف النساء اللاتي يرتدين ثياب الحزن السوداء، ويحملن رموزاً شعائرية كالسعف وأدوات الدفن الرمزية والمعاول، في استحضارٍ وجداني للدور التأريخي لنساء بني أسد اللواتي كنّ شرارة الوعي الأولى في واقعة الدفن، وما تمثله هذه المشاركة من امتدادٍ حيّ لذاكرة الطف.

ومع اكتمال الاستعدادات، تتحول المنطقة إلى موجٍ بشري متحرك، تتداخل فيه حركة الراكضين مع المشاة في مشهدٍ جماعي مهيب، تتجه فيه الجموع نحو قلب مدينة كربلاء المقدسة.

ويمر المسار أولاً نحو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث تتجدد معاني العهد والوفاء، ثم يتواصل العزاء عبر ساحة ما بين الحرمين الشريفين، ليختتم عند مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، بوصفه المحطة الختامية التي تتجسد فيها رمزية النصرة والوفاء الروحي لطقوس العزاء.

وهكذا يتشكل مسار الشعيرة كرحلةٍ جماعية تختصر التأريخ في حركةٍ واحدة، وتعيد تمثيل الذاكرة الحسينية في مشهدٍ حيٍّ يتجدد سنويا في داخل كربلاء المقدسة.



أبعادٌ تتجاوز الطقس

تتجاوز شعيرة «دفن الأجساد الطاهرة» كونها طقساً عزائياً سنوياً، لتتحول إلى نصٍّ حيٍّ من الدلالة العقائدية والوجدانية، يستحضر تفاصيل ما بعد واقعة الطف، ويعيد قراءتها بوصفها امتداداً دائماً لمعنى الوفاء الحسيني في أعمق تجلياته.

إذ تجسّد هذه الشعيرة معنى الوفاء الذي لا ينطفئ بمرور الزمن، بل يتجدد مع كل جيلٍ يشارك في إحيائها.

فهي إعلانٌ وجداني عن التمسك بإحياء التفاصيل الدقيقة للمأساة الحسينية، وعدم الاكتفاء بحدود الواقعة نفسها، بل بامتداد الحزن إلى ما بعدها، حيث يتحول دفن الأجساد الطاهرة إلى رمزٍ للنصرة المتأخرة، التي تُستعاد فيها مواقف الوفاء وكأنها تُعاش من جديد في كل عام.

و تكشف الشعيرة عن بعدٍ اجتماعي عميق يتمثل في التلاحم العشائري والهوية الإسلامية الجامعة، إذ تشارك فيها عشرات العشائر والقبائل العراقية القادمة من مختلف المحافظات، في مشهدٍ تتقاطع فيه الانتماءات المحلية تحت مظلة الولاء الحسيني.

هناك، تذوب الفوارق بين القبائل، وتتحول المشاركة إلى إعلانٍ جماعي عن وحدة الانتماء الروحي، حيث يغدو العزاء مساحةً لتجديد العهد، وترسيخ قيم التضامن والتكافل في إطارٍ ديني واجتماعي متماسك.

وهكذا تتجلى هذه الشعيرة بوصفها أكثر من ممارسةٍ تراثية، بل هي كيانرمزي يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية، ويؤكد أن كربلاء ليست حدثاً تأريخيامنتهياً، بل حضورا متجددا في وجدان الأمة، يتوارثه الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل.



بين المنع والخلود

تعرضت شعيرة «دفن الأجساد الطاهرة» المعروفة بـ«عزاء بني أسد» عبر مسارها التأريخي الممتد من واقعة الطف سنة 61هـ وحتى عام 2003م، إلى موجات متعاقبة من المنع والتضييق، تراوحت بين الحظر المباشر والملاحقة الأمنية، وبين الكبت الاجتماعي والرقابة السلطوية، لتبقى في جوهرها شعيرةً تقاوم الإلغاء وتستعيد حضورها كلما أُتيح لها ذلك.

في المرحلة الأولى، الممتدة من سنة 61هـ حتى أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الشعيرة قد اتخذت شكل الموكب المنظم المعروف اليوم، بل بقيت ممارسةً رمزية متفرقة تقوم بها القبائل والقرى المحيطة بكربلاء من ضمن نطاقاتها المحلية، بوصفها تعبيراً وجدانياً عن واقعة الدفن وما ارتبط بها من حزنٍ ممتد.

وقد شهدت هذه القرون الطويلة أشكالاً متعددة من التضييق العام على الشعائر الحسينية، انعكست بصورة مباشرة على هذه الممارسة؛ إذ عُرف العهد الأموي والعباسي بأشد صور القمع المرتبطة بإحياء ذكرى الطف وزيارة كربلاء، ولا سيما في عهد زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي، ثم في عهد الخليفة العباسي المتوكل الذي أمر بهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام) عام 236هـ، وفرض قيوداً صارمة وصلت إلى حد العقوبة القاتلة لكل من يحاول إحياء هذه الذكرى أو الوصول إلى أرض كربلاء.

و شهد العهد العثماني مددا متعددة من فرض القيود على التجمعات العشائرية الكبيرة في داخل المدن المقدسة، بدافع التخوف الأمني والسياسي من الحركات الجماهيرية ؛ ممّا جعل إحياء ذكرى الثالث عشر من المحرم يقتصر في الغالب على تجمعات محلية عفوية في أطراف كربلاء وقرى بني أسد وما جاورها.

ومع بداية القرن العشرين، وبعد أن بدأت الشعيرة تأخذ شكلاً موحداً ومنظماً عام 1913م، دخلت مرحلة جديدة من تأريخها اتسمت بالتصادم مع الدولة الحديثة، لتبدأ معها حقبة المنع والتنكيل المنظم، التي تُمثل الأشد قسوة في تأريخها المعاصر.

ففي مرحلة التضييق التدريجي (1970م–1974م) شرع النظام السابق بفرض إجراءات أمنية مشددة على مسار الموكب، شملت التفتيش والمراقبة، إلى جانب استهداف رموز العشائر والوجهاء الداعمين لإحياء الشعيرة، في محاولة للحد من امتدادها الشعبي وتنظيمها الجماهيري.

ثم جاءت مرحلة الحظر الكامل (1975م–2003م) حيث صدر قرار رسمي بمنع إقامة عزاء دفن الأجساد الطاهرة (عزاء بني أسد) في يوم 13 المحرم بشكل قطعي، واستمر هذا المنع لما قارب ثمانية وعشرين عاماً، جرى عن طريقه تعطيل الموكب بشكل كامل ومنع أي مظهر علني له.

وازدادت حدة القمع بعد انتفاضة عام 1991م، إذ أصبحت المشاركة في هذه الشعيرة أو حمل رموزها مثل النعش الرمزي والمعاول تُصنَّف كجريمة أمنية كبرى، تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، فضلاً عن مصادرة ممتلكات المشاركين وعوائلهم.

ومع سقوط النظام السابق في نيسان/أبريل 2003م، بدأت صفحة جديدة من عودة الشعيرة إلى العلن، حيث بادر أبناء قبيلة بني أسد وسائر العشائر العراقية إلى إحيائها مجدداً على نحو واسع، لتتحول فيما بعد إلى مسيرة جماهيرية كبرى تُقام بين العتبتين المقدستين في كربلاء، مستعيدةً حضورها التأريخي بعد عقودٍ من الغياب القسري، ومؤكدةً قدرة الذاكرة الحسينية على البقاء والتجدد على الرغم من كل محاولات الطمس والإلغاء.

وهكذا بقيت شعيرةُ دفن الأجساد الطاهرة شاهدًا على تاريخٍ طويلٍ من التناوب بين المنع والحضور، وبين القمع والاستمرار، لتُثبت أن الشعائر المتجذّرة في الوجدان لا تُمحى بالقرارات، بل تعود كلما استعاد الناس حقَّهم في مواساة أهل البيت (عليهم السلام).



العتبة العباسية المقدسة ومنظومة العطاء المتكاملة

تستنفر الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة جميع طاقاتها البشرية والآلية والخدمية، لإدارة وإسناد عزاء دفن الأجساد الطاهرة (عزاء بني أسد) في يوم الثالث عشر من شهر المحرم الحرام، بوصفه أحد أكبر التجمعات العشائرية الحسينية التي تشهدها مدينة كربلاء المقدسة سنوياً.

وعلى الرغم من الامتداد الجغرافي الواسع للعزاء، ومشاركة عشرات القبائل العراقية فيه، فإن العتبة تضع خطة عملياتية مركزية متكاملة تغطي محاور متعددة، تضمن انسيابية الحركة وسلامة الزائرين وحسن تنظيم الشعيرة في مختلف مراحلها.

في الجانب الأمني وحفظ النظام، يضطلع قسم حفظ النظام، وبالتنسيق مع قيادة عمليات كربلاء، بفرض أطواق أمنية متدرجة حول محيط المدينة القديمة، لتأمين دخول المواكب العشائرية القادمة من محاور متعددة، ولا سيما من جهة مرقد السيد جودة المحنّا جنوب المدينة.

و يتم نشر مئات المنتسبين كحواجز بشرية مرنة تعمل على تنظيم تدفق العشائر ومنع تداخل مساراتها، في ظل الطبيعة المليونية المتحركة للمسيرة التي تتضمن حمل رموز شعائرية كالمعاول والنعوش الرمزية وسعف النخيل.

وتُفرد عناية خاصة لتنظيم المسيرة النسوية المليونية التي تتقدم العزاء، عبر مسارات دخول وخروج منفصلة، بما يضمن الخصوصية وسهولة الحركة وانسيابيتها في داخل الصحن الشريف ومحيطه.

أما في الجهود الخدمية والإطعام، فيقدّم مضيف العتبة العباسية المقدسة عشرات الآلاف من وجبات الطعام اليومية المعدّة مسبقاً، والموزعة على الزائرين والمعزين الوافدين من مختلف المحافظات العراقية بعد انتهاء مراسم الدفن الرمزية.

وبسبب مشقة السير الطويل وارتفاع درجات الحرارة، تُشغّل الأقسام الخدمية منظومات رذاذ الماء ومراوح التبريد في الشوارع المؤدية إلى الحرم الشريف، إلى جانب توزيع كميات كبيرة من المياه المبردة على امتداد مسارات العزاء.

وعقب انتهاء المراسم، تباشر الملاكات الخدمية بحملة تنظيف وإعادة تأهيل واسعة تشمل رفع المخلفات وتنظيف الشوارع وغسلها، وإعادة المنطقة إلى وضعها الطبيعي في وقت قياسي.

وفي الجانب الديني والإرشادي، ينشر قسم الشؤون الدينية مبلغين ومرشدين في داخل الصحن الشريف وخارجه، للإجابة عن الاستفسارات الفقهية والعقائدية المرتبطة بالشعيرة ووقائعها التأريخية.

و تُقام مجالس عزاء تخصصية في داخل أروقة الصحن الشريف، تسلط الضوء على الأبعاد التأريخية والعقائدية ليوم الثالث عشر من المحرم، وتستحضر الدور البطولي للإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) وقبيلة بني أسد في مواراة الأجساد الطاهرة، بوصفها محطة مفصلية في الذاكرة الحسينية.

أما في الجهود اللوجستية والفنية، فيقوم قسم رعاية الصحن الشريف بتهيئة المداخل والممرات عبر فرشها بالرمال الناعمة المغطاة بالسجاد الأحمر المبطن، لتأمين حركة الزائرين وحماية أقدامهم من الانزلاق والتأثر بحرارة الأرض، ولاسيما مع الزخم البشري الكبير.

و تنتشر المفارز الطبية و الإسعاف الفوري التابعة للعتبة العباسية المقدسة، وبالتعاون مع طبابة الحشد الشعبي، على طول مسار العزاء، لتقديم الإسعافات الأولية لحالات الإجهاد والإغماء ونقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات التخصصية، وفي مقدمتها مستشفى الكفيل.

وفي الجانب الإعلامي والرقمي، يصدر قسم الإعلام مئات الباجات والتراخيص للوكالات المحلية والدولية، مع تهيئة منصات تصوير مرتفعة تطل على ساحة ما بين الحرمين الشريفين لتوثيق الحدث من زوايا متعددة.

ويؤمّن مركز الكفيل للإنتاج الفني بثاً مباشراً عالي الجودة بتقنيات (HD و4K) لعدد من القنوات الفضائية المحلية والدولية، بما يتيح نقل المشهد المليوني بصورة دقيقة وحية.

و تبث شبكة الكفيل العالمية والمنصات الرسمية التابعة للعتبة تغطياتها المكتوبة والمرئية والوثائقية بلغات عالمية متنوعة، بما يسهم في إيصال الأبعاد الإنسانية والتأريخية لهذه الشعيرة إلى جمهور عالمي واسعيعكس عمق حضورها في الذاكرة الحسينية والإنسانية.

وهكذا تتكامل الجهود الأمنية والخدمية والدينية والإعلامية في منظومة واحدة، تعكس فلسفة العتبة العباسية المقدسة في إدارة الشعائر الكبرى، بوصفها مسؤوليةً روحيةً وإنسانيةً تتجاوز التنظيم إلى صناعة حضورٍ واعٍ ومؤثرٍ في المشهد الحسيني العالمي.



خلاصة القول

لا يبقى دفنُ الأجساد الطاهرة صفحةً من صفحات التاريخ تُروى، بل يتحوّل إلى ذاكرةٍ تمشي بين الناس، وإلى عهدٍ يتجدّد كلما أطلّ الثالث عشر من المحرم على كربلاء ، وحيث احتضنت الأرض أجساد الشهداء، لم تكن القبور نهاية الحكاية، بل بداية الخلود.

حين تتقدّم الجموع في كل عام مستعيدةً مشهد الوفاء الأول، يبدو الزمن وكأنه ينحني أمام كربلاء، لتلتقي لحظة الدفن الأولى بخطوات المعزّين بعد قرون طويلة ، وتغدو الأرض التي ضمّت الأجساد الطاهرة شاهدةً على أن الحب الصادق لا يغيّبه التراب، وأن القيم التي سُقيت بالدم لا يطويها النسيان.

لذلك بقي عزاء دفن الأجساد الطاهرة أكثر من شعيرةٍ أو ذكرى؛ إنه رسالة وفاءٍ تتوارثها القلوب قبل الأجيال، وتأكيدٌ دائم على أن الحسين (عليه السلام) لم يُدفن في الثرى، بل ازداد حضورًا في الضمير الإنساني.

وما دامت كربلاء تنبض باسم الامام الحسين ( عليه السلام ) ، فسيبقى شرفُ مواساة أجساده الطاهرة ميراثًا لا يتوقف عند جيل، بل يُعاد كل عام، ليكتب من جديد قصة الوفاء التي لم تنتهِ، ولن تنتهي.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة