alkafeelGlobal alkafeelGlobal

المجمَع العلميّ للقرآن الكريم.. قراءةٌ في أثر المشروع وطموحاته وتحدياته

المجمَع العلميّ للقرآن الكريم.. قراءةٌ في أثر المشروع وطموحاته وتحدياته
تشتغل المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة على كليات عامّة، أُسها الأساس هو صناعة الفرد المؤمن، وتتوسل إلى ذلك بوسائل عديدة وكثيرة، عادةً ما تكون على شكل نشاطات وفعاليات فكرية وأخرى ثقافية وثالثة علميّة، ويكون الدين بالطبع محورها جميعًا.

ولأنّ القرآن الكريم ـ والمعصوم ـ دستور حياة الفرد المؤمن، وليس له أن يكون كذلك ـ مؤمنًا ـ ما لم يوفّق للجمع بينهما، ليتشبث بطوق النجاة الذي من دونه تكون الحياة أقرب للهلكة منها للسّلامة.

وبلحاظ خلوّ الساحة المحلية من العمل القرآنيّ النوعيّ، ـ وليس قولي هذا في مورد القدح في عمل غيرنا، إنما لتبيان ما يُعرض من منجز قرآني ـ إذ نجدها ـ الساحة القرآنية المحلية ـ تتعكز على المادة الإقرائية في معظم أحوالها، كالحفظ والتلاوة وأحكام ذلك، وقلّما نجد عملًا قرآنيًّا علميًّا ناهضًا، فرديًّا أو مؤسّساتيًا، خلا ما يصدر عن رجالات الدين في فضلاء الحوزة العلمية المباركة، فبين دار للقرآن الكريم وقسم له، ومركز لحفظ القرآن الكريم ودورة لتعليم تلاوته وتجويده، بقيت المنطقة العلميّة ـ البحثيّة ـ شبه خالية؛ لم يسبر غورها أحد، ولم يُشتغل على مفاهيم التدبّر والتفكّر والاستنطاق فيها إلَّا القلة القليلة، وهي لا تكفي لأن تكون حالة قرءنة للمجتمع وتخليق قرآني عصموي له.

هنا، ووسط هذه التحديات، انبثقت فكرة المجمَع العلمي للقرآن الكريم، بتبني العتبة العباسية المقدّسة لتشكيل وظيفي بمستوى "مجمَع"، في وقت اعتادت الأسماع على هكذا تسمية على نحو مجامع اللغة حصرًا، وما هذا التوظيف المفرداتي إلَّا اتّساقًا مع أهمية الموضع محل العمل ـ القرآن الكريم ـ لتُلاحق مفردة المجمَع بمفردة "العلميّ"، لتأخذ أذرع العمل القرآنيّ للمساحة العلميّة والبحثيّة، أكثر ممّا اعتاده الجمهور على مشاريع الحفظ والتلاوة ـ على عظيمها ـ لتكون للعتبة المقدّسة بذلك فلسفة عمل قرآنيّ جديدة، بحجم التحدي وبمستوى الطموح.

ولأنّه "مجمَع علميّ"، والقرآن الكريم مادته الأولى واشتغاله الأهم، صيّر له شعارًا نوعيًّا، فكان عمل هذا المجمَع تحت شعار: "قرآنيّو الثقلين"، لينتهج بذلك منهج أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين في فهم القرآن الكريم وتدبّره واستنطاق علومه ومعارفه، فبغير ذلك سيكون الشطط نصيبَ كلّ محاولة.

ولكي تكتمل مناحي العمل، كان لمجمعنا هذا رؤية عمل خاصة به، مفادها: "نحو عالم قرآنيّ فاعل، متناغم، متعايش"، ليمسك بذلك روح المبادرة، بدلالة مفردة "نحو"، التي تتضمّن الحركة للأمام، وإن شئت فقل الحركة للتغيير، ليُنشد من هذا العمل "عالم" الفرد، عالم يشتمل على خمس دوائر مجتمعية تُشكّله عالمًا، منها المجتمع المتخصّص بعلوم القرآن الكريم والمعني بالشأن القرآني من أساتذة وباحثين وطلاب علوم دينية وأكاديميين بالتخصّصات الإسلامية والقرآنيّة، وكان لهذا المجتمع حصته الأكبر، من دون أن تُهمل حصة المجتمع غير المتخصّص قرآنيًّا كما يستحق من عناية، ونقصد بذلك الباحثين في العلوم الأخرى (غير الإسلامية وغير القرآنية منها)، كالأكاديميين عمومًا وطلبة المدارس وتلاميذها والموظفين، بل وحتى الأميين، في حين أُدرجت فئات المجتمع الخاص ـ هو المجتمع صاحب الهوية الخاصة أو ما يُعرف بأصحاب الهمم من ذوي الاحتياجات الخاصة كالمكفوفين والصم والبكم وأصحاب العوق الفيزيائي وما إلى ذلك ـ بخطة عمل خاصة أُسس لها بدقة وعناية، وجاري العمل عليها في قادم السنوات إن شاء الله.

واتّساقًا مع حالة التقدم والتطور التقني، ولتسهيل إيصال المعلومة القرآنيّة للباحث عنها بأسهل الطرق وأيسرها، نشد المجمَع العلميّ للقرآن الكريم مجتمعًا آخر، ألا وهو المجتمع الافتراضي، أي مجتمع العالم الرقمي.

كلّ ذلك لم يملأ نهم عملنا في هذا المجمَع، فأُسّست مشاريع عمل قرآني للمجتمع الآخر، ممّا لم يُدرج تحت أيٍّ ممّا ذُكر أعلاه، ونقصد بذلك أفراد المجتمع المسلم الأجنبي أو المجتمع غير المسلم أصلًا، فضلًا عن المجتمع غير المتدين وما إلى ذلك، من دون أن نُغادر روح الفاعلية ـ من "فاعل" في هذه الرؤية، أي أن يكون العمل القرآني مؤثّرًا ومنتجًا لبناء إيماني وسلوكي نوعي، يؤهل المتحصل عليه ـ فَردًا أو مجتمعًا ـ لأن يكون خليفة الله في أرضه، مستعمرًا لها، بل ويكون هذا العمل متناغمًا متعايشًا، ينصهر الفرد فيه ببوتقة الثقافة القرآنية الحقة وصولًا إلى مجتمع التمهيد المرتجى لصاحب الطلّة البهية عجَّل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره.

وأمام إثبات هذه الرؤية النوعية، هُيكل المجمَع العلميّ للقرآن الكريم بهيكلية متنوّعة وكبيرة، كان أُسها الأوّل هو "مركز الدراسات والبحوث القرآنيّة"، ليكون الذراع البحثي والتأليفي لهذا المجمَع، بما يجعل منه "مجمَعًا" و"علميًّا"، خصوصًا فيما يصدر عنه من موسوعات وسلاسل بحثية، فضلًا عن مجلته العلمية المحكمة "الذكر".



من جهةً أخرى، للمجمَع العلميّ للقرآن الكريم مركز خاصّ بطباعة المصحف الشريف، تشرّف بطباعة المصحف بأيدٍ عراقية بحتة؛ خطًّا وتصميمًا وتنضيدًا وطباعةً، ولمرّات عدّة.

وبغية إنشاء قاعدة قرآنيّة متينة، تتوافر على مرتكزات التربية الإسلاميَّة السليمة، أطلق المجمَع العلميّ مركزًا خاصًّا بالإرشاد التربويّ القرآنيّ، يشتغل على صنع البيئات التربويّة المستمدة من القرآن الكريم، بما يُصيّر من حياة الفرد والمجتمع حالةً حياتيّةً قرآنيّةً.

تقنيًّا ورقميًّا، للمجمَع تأسيس رقمي بعنوان المركز الرقميّ للقرآن الكريم، وهو ذراع فني وتقني، صدرت عنه لحد الآن مقرأة العميد الرقمية التي أخذت على عاتقها استثمار التكنولوجيا الحديثة لخدمة كتاب الله العزيز.

إقرائيًّا.. للمجمَع العلميّ ذراع قرآنيّ نوعيّ، هو "مركز المشاريع القرآنية"، وهو مركز إقرائيّ يتبنى الصفوة من الأصوات القرآنيّة؛ ليتناولها بالصقل والتدريب، ويوصلها حدّ الاحترافية، وقد بارى برجاله، أفضل القرَّاء ـ محليًّا ودوليًّا ـ وحُقّقت من خلالهم أفضل النتائج، ليكونوا رافدًا لمنجزٍ قرآنيّ دوليّ خاص بالعتبة العباسية المقدّسة، متمثّلًا بجائزة العميد الدولية لتلاوة القرآن الكريم التي صارت من أهم المسابقات القرآنية في العالم الإسلامي لما تكون عليه أجواؤها من تنافس صعب بين قرّاء العالم الإسلامي من مختلف البلدان، خصوصًا وأنّها تقام بتحكيم عالي المستوى وبتخصصات متعددة.

ولأنَّ مساحات العمل القرآنيّ واسعة وكبيرة، ولأنَّ ثمة جيل مسلم متعطّش للثقافة القرآنيّة؛ ترامت المعاهد القرآنيّة التابعة للمجمَع على ما ترامت به خارطة العراق، فبين معهد القرآن الكريم في كربلاء المقدّسة ـ وهو بالمناسبة نواة لهذا المجمَع وأُسّه الأوّل ـ ومعهد فرعيّ تابع له في قضاء الهندية، ومعاهد مرتبطة به وإن كانت على مستوى المحافظات، كبابل وبغداد، فضلًا عن معهد القرآن الكريم في النجف الأشرف وما يرتبط به من فروع في الديوانية وطوزخورماتو، ومعهد القرآن الكريم في المثنى ومعهد القرآن الكريم في ذي قار، ومعهد القرآن الكريم في قضاء كميت في محافظة ميسان، لتشتغل هذه المعاهد على استقطاب الجيل الناشئ وجرّه بعيدًا عن الوارد الفكريّ والثقافيّ غير الآمن، إذ شكّلت هذه المعاهد نقلةً نوعيّةً في العمل القرآنيّ بما استوعبته من مئات الآلاف من المستفيدين، على اختلاف أعمارهم، بدءًا من مستوى الدراسة الابتدائية وحتى التعليم الجامعيّ، وصفوة هذا العمل تكلّل في استقطاب عشرات الآلاف من التلاميذ في العطلة الصيفية وزجّهم في الدورات القرآنيّة الصيفيّة التي تُقام تحت شعار "من الشارع إلى الجامع"، إحياءً لبيوت الله من مساجد وحسينيات واستثمارًا لأوقات فراغهم، فضلًا عن اشتغالات نوعية أخرى في بعض هذه المعاهد، كما هو في معهد القرآن الكريم في النجف الأشرف من عملٍ قرآنيًٍ خاصٍّ بطلبة العلوم الدينيّة، وآخر خاص بالتحقيق التخصصيّ (القرآني).

الحقوقي بلاسم الشمري

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة