alkafeelGlobal alkafeelGlobal

قسم التربية والتعليم في العتبة العباسية المقدسة يستشرف العام الدراسي 2026–2027 بخطط تطويرية وتجارب ميدانية وتحول رقمي

قسم التربية والتعليم في العتبة العباسية المقدسة يستشرف العام الدراسي 2026–2027 بخطط تطويرية وتجارب ميدانية وتحول رقمي
في التربية، لا يبدأ العام الدراسي عند قرع جرس الحصة الأولى، ولا عند اصطفاف الطلبة في ساحات المدارس؛ بل يبدأ قبل ذلك بكثير، في مساحة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: التخطيط، والمراجعة، وقراءة الواقع، وتحديد الأولويات، والاستعداد لصناعة عام دراسي أكثر نضجًا وأثرًا.

من هذه الرؤية جاء الملتقى السنوي الرابع لانطلاق العام الدراسي الجديد 2026–2027 الذي أقامه قسم التربية والتعليم في العتبة العباسية المقدسة، جامعًا القيادات والملاكات التربوية والتعليمية في مجموعة العميد التربوية، في لقاء لم يكن مجرد مناسبة لافتتاح عام جديد، بل محطة لمراجعة التجربة، وقراءة منجزاتها، واستشراف ما ينبغي أن تكون عليه المرحلة المقبلة.

واحتضنت قاعة المركز الثقافي في مجمّع العميد التربوي للبنات فعاليات الملتقى، الذي أقيم تحت شعار(عامٌ يتجدد... هممٌ تتوحد... وأثرٌ يتمدد) ، وشهد الملتقى حضور عضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة والمشرف على قسم التربية والتعليم الدكتور عباس الدده الموسوي، ورئيس القسم الدكتور حسن داخل، إلى جانب عدد من مسؤولي مجموعة العميد التربوية وأساتذتها، وبمشاركة واسعة من القيادات والملاكات التربوية والتعليمية.



من مراجعة العام إلى بناء العام الجديد

استُهلت الفعاليات بتلاوة آيات من القرآن الكريم، أعقبها الاستماع إلى النشيد الوطني العراقي ونشيد العتبة العباسية المقدسة «لحن الآباء»، ثم قراءة سورة الفاتحة ترحمًا على أرواح الشهداء ، لكن القيمة الأساسية للملتقى تبلورت في مضمونه؛ إذ اتجهت محاوره نحو سؤال جوهري:

  • - ماذا تعلمت المؤسسة التربوية من عامها السابق؟
  • - وكيف يمكن تحويل هذا التعلم إلى خطوات عملية في العام الجديد؟

وفي كلمته، وضع رئيس قسم التربية والتعليم الدكتور حسن داخل الملتقى في سياقه التربوي، بوصفه محطة سنوية تجمع القيادات والملاكات لمراجعة ما تحقق، واستشراف متطلبات المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن هذا اللقاء أصبح سنة تربوية حرص القسم على إقامتها خلال السنوات الماضية.

ولم يكن عرض الخطط التطويرية مجرد استعراض للبرامج والمشروعات، بل مثّل، بحسب ما أظهرته المناقشات، مساحة لقياس مستوى تطور التفكير التخطيطي داخل المدارس ، فالمؤشرات التي أفرزتها الخطط المقدمة كشفت عن تنامٍ في الوعي بأهمية تنمية مهارات التفكير، وتطوير الخطط الدراسية، وإشراك القيادة المدرسية في صناعة القرار التخطيطي، فضلًا عن تحسن قدرة الإدارات على قراءة واقع مدارسها، وتشخيص احتياجاتها، وتحديد المسارات التي يمكن أن تقود إلى تطويرها ، وهنا تبدو أهمية الانتقال من مفهوم الخطة بوصفها وثيقة إدارية إلى مفهومها بوصفها أداة لفهم الواقع وصناعة التغيير.



التخطيط.. من الورق إلى الميدان

من أبرز ما برز في الملتقى أن التطور في التخطيط لم يعد يقاس بكثرة البرامج المدرجة في الخطة، وإنما بمدى ارتباطها بحاجات المدرسة وقدرتها على التحول إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

فالتخطيط الفاعل يبدأ من عقلية تخطيطية قادرة على قراءة الواقع، ثم ينتقل إلى تحديد الأولويات، وبعدها إلى صياغة إجراءات واضحة، وصولًا إلى المتابعة وقياس الأثر ، وهذا التسلسل يفتح الباب أمام مرحلة أكثر نضجًا في العمل المدرسي: مرحلة لا يكون السؤال فيها «ماذا سنفعل؟» فقط، بل «لماذا سنفعله؟ وكيف سننفذه؟ وكيف سنعرف أن أثره تحقق؟».

وأشار الدكتور حسن داخل إلى أن الخطط التطويرية للعام الجديد أظهرت قدرة متنامية على تحديد الأولويات انطلاقًا من واقع المدارس واحتياجاتها، مؤكدًا ضرورة تنظيم عملية عرض الخطط وتنفيذها ومتابعتها، بما يضمن انتقال التخطيط من مرحلة التصميم إلى الأثر الفعلي.

كما أشار إلى تنامي القدرة على الاستباق والمرونة في التعامل مع التحديات، وهي مؤشرات ترتبط بقدرة المدرسة على ألا تكون في موقع الاستجابة المتأخرة للمشكلات، بل في موقع التنبّه لها والاستعداد لمعالجتها.



المعلم.. الحلقة التي تحوّل الخطة إلى أثر

ومع كل تطور في مستوى التخطيط، تبقى هناك حلقة لا يمكن تجاوزها: المعلم ، فالخطط، مهما بلغت دقتها، لا تحقق أثرها داخل الصف إلا عندما تتحول إلى ممارسات تعليمية، وهذه الممارسات ترتبط بكفايات المعلم، ووعيه بدوره، وقدرته على التطوير المستمر.

من هنا شدد الملتقى على أهمية التطوير المهني المستمر للملاكات التعليمية، وعلى ضرورة أن يتزامن تطور التخطيط مع تطوير المعلم، باعتباره العنصر الذي يحمل الخطة من مستوى الوثيقة إلى مستوى الممارسة اليومية مع المتعلمين ، وبهذا المعنى، فإن الاستثمار في الخطط لا ينفصل عن الاستثمار في الإنسان الذي سينفذها.



ثلاث تجارب.. ثلاث زوايا للمهنة

ولأن التربية لا تُقرأ بالأرقام والخطط وحدها، خصص الملتقى مساحة للتجربة الإنسانية والمهنية من خلال محاورة استعرضت ثلاث تجارب تربوية من داخل مجموعة العميد التربوية.

جمعت المحاورة بين معاون تعليمي، ومعلم أمضى ثلاث سنوات في مدارس المجموعة، ومعلم التحق حديثًا بها ، وقدمت التجارب الثلاث صورة متعددة المراحل لمسار العمل التربوي؛ من لحظة الانضمام إلى المؤسسة، إلى اكتساب الخبرة، ثم الانتقال إلى مستويات أوسع من المسؤولية المهنية.

وكانت الرسالة الأبرز في هذه المحاورة أن البيئة التعليمية لا تقتصر وظيفتها على تعليم المتعلم، بل يمكن أن تكون كذلك بيئة لتطوير المعلم نفسه؛ من خلال الممارسة، والتغذية الراجعة، والتجربة، والتفاعل مع الزملاء، والاحتكاك بالتحديات اليومية.



التكنولوجيا تدخل غرفة التخطيط

وفي محور آخر، انتقل الملتقى من الميدان التربوي إلى فضاء التحول الرقمي ، فقد تناول مسؤول شعبة تقنيات المعلومات في القسم السيد مصطفى محمود عددًا من المشاريع والتحولات الرقمية التي يعمل القسم على إطلاقها، وفي مقدمتها نظام العميد للتخطيط التعليمي، إلى جانب إطلاق نسخة المعاون التعليمي ضمن النظام.

ويأتي هذا التوجه ضمن مسار يستهدف بناء نظام مركزي وقاعدة بيانات موحدة تدعم عمليات التخطيط والمتابعة والإدارة التعليمية ، وتكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يضيف أداة تقنية إلى العمل الإداري فحسب، بل يمكن أن يعيد تنظيم طريقة التعامل مع المعلومات والخطط، ويتيح الانتقال تدريجيًا من البيانات المتفرقة إلى بيانات أكثر تكاملًا يمكن الاستناد إليها في المتابعة وصناعة القرار.

فحين تصبح الخطة رقمية وقابلة للمتابعة والتحديث، يصبح من الممكن أن تتحول عملية التخطيط من نشاط موسمي إلى دورة عمل مستمرة تبدأ بالتحليل ولا تنتهي عند التنفيذ.



الكفايات.. البوصلة الجديدة للعمل التربوي

من جهته، تناول مدير الشؤون التربوية في القسم الدكتور عادل الكركوشي عددًا من المحاور المرتبطة بالكفايات التربوية والأولويات التي ينبغي أن تستند إليها العملية التعليمية خلال العام الدراسي الجديد.

وركز الطرح على أهمية بناء الممارسات التربوية على أساس الكفايات، وربط الأولويات بالاحتياجات الفعلية للمدارس والملاكات والمتعلمين ، وهنا يبرز تحول مهم في التفكير التربوي: فالمطلوب ليس مجرد تنفيذ برنامج أو إكمال محتوى، وإنما بناء قدرات يمكن للمتعلم توظيفها في مواقف متعددة، بما يجعل التعليم أكثر اتصالًا بالحياة وأكثر قدرة على الاستجابة للتحولات.



مدارس مجموعة العميد.. الخطط تدخل مرحلة الاختبار

وبالتوازي مع الملتقى، اختتمت مجموعة العميد التربوية سلسلة عروض خططها التطويرية السنوية للعام الدراسي 2026–2027، بعد أن قدمت مدارسها خططها إلى إدارة قسم التربية والتعليم في العتبة العباسية المقدسة لمناقشتها ومراجعتها.

وشملت الدفعات الأخيرة من المدارس المقدمة لخططها ( مدرسة الساقي الابتدائية للبنين - مدرسة نور العميد الابتدائية للبنات - مدرسة جود العميد الابتدائية للبنات - مدرسة القمر الابتدائية للبنات - مدرسة نور العميد الابتدائية للبنين - متوسطة سيد الماء للبنين - ثانوية سيد الماء للبنين - مدرسة العميد الابتدائية للبنين - رياض أطفال مجموعة العميد التربوية).

كما تضمنت العروض السابقة عددًا من مدارس المجموعة، منها ( ثانوية العميد للبنات - ومدرسة نور العباس الابتدائية للبنات - ومدارس العميد الابتدائية للبنات في بابل- ومتوسطة نور العباس للبنات- ومدرسة العميد الابتدائية للبنات- ومدرسة نور العباس الابتدائية للبنين- ومتوسطة نور العباس للبنين).

ولم تقتصر هذه الخطط على توصيف الواقع، بل تضمنت برامج ومشروعات تطويرية تستجيب للأولويات التربوية للمرحلة المقبلة، وتستهدف تطوير الأداء المدرسي وتعزيز جودة الممارسات التعليمية والتربوية.



من الخطة السنوية إلى دورة التحسين المستمر

تكشف عملية عرض الخطط ومناقشتها عن توجه يتجاوز فكرة إعداد الخطة السنوية بوصفها إجراءً إداريًا لازمًا لبداية العام الدراسي ، فالخطة، في صورتها الأكثر فاعلية، ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لدورة متكاملة ( تشخيص الواقع - تحديد الأولويات - تصميم البرامج - التنفيذ → المتابعة - قياس النتائج - المراجعة والتطوير) ، وبقدر ما تنجح المدرسة في إغلاق هذه الحلقة، يصبح التخطيط جزءًا من ثقافتها المؤسسية، وليس نشاطًا منفصلًا عن الممارسة اليومية.

وهذا ما يجعل مناقشة الخطط بين إدارات المدارس وإدارة قسم التربية والتعليم مساحة مهمة لاختبار قابلية البرامج للتنفيذ، ومدى انسجامها مع احتياجات المدرسة، وإمكانية قياس نتائجها.



عام جديد.. لكن بمنظور مختلف

في جوهره، لم يكن الملتقى السنوي الرابع مجرد إعلان رمزي عن بدء عام دراسي جديد؛ فقد حمل في محاوره رسالة أكثر اتساعًا: أن تطوير التعليم يبدأ من القدرة على التعلم من التجربة السابقة.

فالخطط التطويرية، والتجارب المهنية، والتحول الرقمي، وبناء الكفايات، والتطوير المهني للمعلمين، كلها تتحرك داخل منظومة واحدة عنوانها الأبرز: تحسين جودة العمل التربوي عبر تكامل أدوار المؤسسة وأفرادها.

وإذا كان شعار الملتقى يقول: «عامٌ يتجدد... هممٌ تتوحد... وأثرٌ يتمدد»، فإن مضامينه تجعل من كلمة «الأثر» محورًا حقيقيًا للعام الجديد؛ لأن نجاح الخطة لا يقاس بعدد صفحاتها، ولا بعدد البرامج التي تتضمنها، وإنما بما تتركه في المدرسة، وفي المعلم، وفي المتعلم.



تكريم.. تقدير لمن يصنعون التفاصيل

وفي ختام الملتقى، كُرّم عدد من أساتذة مجموعة العميد والمساهمين في إنجاح فعالياته، من قبل عضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة الدكتور عباس الدده الموسوي ورئيس قسم التربية والتعليم الدكتور حسن داخل.

وكان التكريم خاتمة رمزية لملتقى انشغل، في مختلف محاوره، بالإنسان الذي يقف خلف الخطة، والمعلم الذي يحولها إلى ممارسة، والقيادة التي ترسم اتجاهها، والمؤسسة التي تهيئ البيئة المناسبة لنجاحها.

وهكذا يدخل العام الدراسي 2026–2027 محمّلًا بخطط ومشروعات وتجارب وأدوات جديدة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ مع أول يوم دراسي: هل تستطيع هذه الخطط أن تعبر من الورق إلى الصف، ومن الفكرة إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى نتيجة يمكن رؤيتها وقياسها؟

ذلك هو التحدي الذي يضعه الملتقى أمام مجموعة العميد التربوية؛ وهو في الوقت نفسه المسار الذي يمكن من خلاله أن يتحول التخطيط من مجرد استعداد لعام جديد إلى مشروع مستمر لصناعة أثر تربوي يتجدد ويتوسع ويستدام.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

الأخبار الأكثر قراءة