alkafeelGlobal alkafeelGlobal

الرعاية الصحية في الأربعين.. منظومة متكاملة لخدمة الزائرين

الرعاية الصحية في الأربعين.. منظومة متكاملة لخدمة الزائرين

تشهد مدينة كربلاء المقدسة، في زيارة أربعين الإمام الحسين (عليه السلام)، واحدةً من أكبر التجمعات البشرية في العالم، إذ تتجلى فيها أسمى قيم العطاء الإنساني من خلال تقديم مختلف الخدمات لملايين الزائرين الوافدين إلى المدينة المقدسة.

ويأتي الجانب الصحي في مقدمة هذه الخدمات، بوصفه أحد أهم المرتكزات التي تسهم في الحفاظ على سلامة الزائرين، وتجسد في الوقت نفسه واجبًا إنسانيًا وأخلاقيا في خدمتهم.

وانطلاقا من هذا النهج، يواصل قسم الشؤون الطبية في العتبة العباسية المقدسة تنفيذ برامجه الرامية إلى الارتقاء بواقع الخدمات الصحية، عبر تدريب الملاكات الطبية والمتطوعين، وتعزيز جاهزيتهم لتقديم الرعاية الصحية للزائرين.



توجيهات لتعزيز الخدمات الطبية المقدمة للزائرين

أكّدَ المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أهمية توسيع الخدمات الطبية المقدمة للزائرين والاستعداد للزيارات المليونية.

جاء ذلك حين التقى سماحتُه المشرفَ على قسم الشؤون الطبية في العتبة المقدسة السيد جواد الحسناوي ورئيسة قسم الشؤون الطبية الدكتورة هيفاء التميمي.

ودعا سماحته إلى توسيع الخدمات الطبية المقدمة للزائرين والمنتسبين، من خلال مركز السيد جعفر الحلي (رحمه الله) للخدمات الطبية الطارئة، ومركز أمّ البنين (عليها السلام) الطبي.



الاستعداد المبكر.. أساس نجاح المنظومة الطبية

مع تزايد أعداد الزائرين خلال السنوات الأخيرة وارتفاع درجات الحرارة هيّأت العتبة العباسية المقدسة خطةً طبيةً متكاملة؛ لتوفير بيئة صحية آمنة، وتعزيز إدارة الجانب الطبي والإنساني للجموع المليونية، بما يضمن الاستجابة السريعة لمختلف الحالات الصحية والطارئة.

ولا يقتصر نجاح هذه المنظومة على انتشار المفارز والمراكز الطبية على امتداد طرق الزائرين، بل يبدأ من إعداد ملاكات مؤهلة تمتلك القدرة على التعامل مع مختلف الحالات الطبية والطوارئ بكفاءة عالية.

وانطلاقا من هذا النهج، اعتمدت العتبة العباسية المقدسة، خلال السنوات الماضية، خططا استباقية قائمة على الشراكة والتنسيق مع المؤسسات الحكومية والهيئات التطوعية، بما أسهم في تعزيز الاستقرار الصحي، وأمنه لزائري مرقدي الامام الحسين (عليه السلام) وأخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام).

وفي هذا السياق، وسّعت العتبة المقدسة آفاق التعاون مع عدد من الجهات، من بينها هيئة الجود الخدمية، التي تضطلع بتنسيق جهود المتطوعين، والإسهام في تدريب الملاكات الطبية المشاركة في الزيارة المليونية، فضلًا عن دعم قاعدة العمل الصحي الميداني بما يخدم الزائرين.

وبدأت استعدادات قسم الشؤون الطبية للزيارة من السابع من شهر صفر، واستمرت حتى الثاني عشر منه، وشملت إعداد وتجهيز الملاكات الطبية، وتحديد الاحتياجات من الأطباء، والممرضين، والمسعفين، والصيادلة، والمترجمين، والملاكات الخدمية والإدارية، إلى جانب إقامة برامج تدريب وتأهيل تهدف إلى رفع جاهزية الفرق الطبية قبل انطلاق الزيارة.



بين التخطيط والإدارة.. صناعة التكامل المؤسسي

يفرض الحضور المليوني للزائرين المتجهين إلى مدينة كربلاء المقدسة إيقاعًا مختلفًا للعمل بالموازنة مع سائر المناسبات، إذ تتطلب إدارة هذه الأعداد الكبيرة تخطيطًا مسبقًا، وتنسيقًا عالي المستوى بين المؤسسات الصحية والجهات المعنية، لضمان انسيابية الخدمات والسيطرة على مختلف المتغيرات الميدانية.

ولا تقتصر إدارة المنظومة الصحية على توفير الخدمات العلاجية، بل تمتد إلى تكثيف برامج التوعية الصحية على الطرق المؤدية إلى المرقدين الشريفين، بهدف تعزيز الوعي بالإجراءات الوقائية والإرشادات الصحية، بما يسهم في الحفاظ على سلامة الزائرين والحد من المخاطر الصحية خلال مسيرهم.

ويقوم نجاح المنظومة الصحية على تكامل الخدمات العلاجية والوقائية، والتثقيف الصحي، ومراقبة الأمراض الانتقالية، والاستجابة السريعة للحالات الطارئة، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة والبحوث العلمية في تطوير جودة الخدمات المقدمة.

وانطلاقًا من هذا النهج، نظّم قسم الشؤون الطبية في العتبة العباسية المقدسة الملتقى الطبي السادس، بوصفه محطةً لتوحيد الجهود الصحية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المشاركة في خدمة الزائرين.

وشهد الملتقى مناقشة أبرز الاستعدادات الطبية للزيارة، وآليات زيادة أعداد الملاكات الطبية والمتطوعين من وزارة الصحة العراقية، فضلًا عن بحث تدابير الصحة العامة، ومتابعة فحص الأغذية والمشروبات للحد من أمراض الجهاز الهضمي، والتأكيد على أهمية رفع الوعي الصحي عبر وسائل الإعلام والإرشادات الميدانية المتعلقة بعادات الغذاء والتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة.

ويجسد التعاون المستمر بين وزارة الصحة ومديرياتها في المحافظات والعتبة العباسية المقدسة نموذجًا متقدمًا للتكامل المؤسسي، فقد أسهم هذا التعاون، خلال الأعوام الماضية، في دعم الجهود الصحية عبر توفير المستشفيات والمفارز الطبية، وتنفيذ حملات التوعية، وتقديم الإسناد اللوجستي، إلى جانب الشراكة مع الجامعات والمواكب الحسينية والفرق التطوعية، بما يعكس قدرة العراقيين على إدارة المناسبات المليونية بروح المسؤولية والعمل الجماعي.



جاهزية طبية وإسناد ميداني

يتطلب تقديم الخدمات الصحية خلال الزيارات المليونية اتخاذ إجراءات تنظيمية وانتشارا طبيا واسعا، بما يضمن استمرارية العمل ورفع كفاءة الاستجابة لمختلف الحالات الصحية والطوارئ المحتملة.

ويعود نجاح هذه الإجراءات إلى حسن توزيع الموارد البشرية، وتنسيق الأدوار بين المؤسسات الصحية، ووضع آليات واضحة للإحالة والإخلاء الطبي وإدارة الأزمات.

وتتضمن الخطة الطبية لهذا العام افتتاح (26) مفرزة طبية موزعة داخل العتبة المقدسة وخارجها، وفي المناطق المحيطة، مجهزة بكامل الأجهزة الطبية والمستلزمات والأدوية، إلى جانب ثلاثة مراكز طبية أساسية تابعة للقسم، لضمان تقديم الرعاية الصحية والاستجابة للحالات الطارئة.

ومن خلال الاجتماع مع المسؤولات، عمل القسم على زيادة عدد المتطوعات المشاركات في الزيارة ليصل إلى (60) متطوعة من كل محافظة، موزعات على (26) موقعا، ليوسع نطاق خدماته من خلال إضافة بعض المواقع الساندة إلى المواقع السابقة، ومنها مجمع أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ومجمع الشيخ الكليني، ومجمع العلقمي.

وعزز قسم الشؤون الطبية إمكاناته الطبية والإسعافية الميدانية، بالتعاون مع مديرية العمليات والخدمات الطبية الطارئة في وزارة الصحة، وبمشاركة واسعة من الجهات المشتركة في الخطة الطبية، التي وصلت إلى (19) جهة، منها وزارة الصحة العراقية، ودائرة صحة كربلاء، وهيئة صحة الجود، ودائرة صحة الكرخ، ودائرة بغداد الرصافة، ودوائر صحة النجف، وميسان، والبصرة، وبابل، والديوانية، وجمعية الهلال الأحمر، وطبابة الحشد الشعبي، وهيئة السبط المجتبى، فضلا عن طبيبات إيرانيات ومترجمات، وغيرها.

ولإسناد الخطة الطبية خلال أيام الزيارة المليونية في مواقع العمل، تم تأمين مصادر الطاقة واحتياجات التشغيل، كما أثمر التعاون عن توفير عيادة طبية متنقلة متكاملة، وعجلتين طبيتين من نوع (بوكس)، و(17) سيارة إسعاف مجهزة بملاكاتها ومستلزماتها، مع (9) سيارات شحن، وسيارة طبية متنقلة تُعد بمثابة مستشفى متنقل، لضمان جاهزيتها الكاملة وانسيابية عملها على وفق الخطة الطبية المعتمدة.

كما اعتمد القسم على منظومة متكاملة من الملاكات الطبية والمتطوعين والمسعفين، وتوزعت الجهود بين مفارز طبية ثابتة، وجهود تطوعية قادمة من (8) محافظات، تضم (30) متطوعا من كل محافظة، موزعين على محافظات: بابل، وواسط، وذي قار، والديوانية، والبصرة، وبغداد/الكرخ، وبغداد/الرصافة، والمثنى، والنجف الأشرف.

أما فرق الإخلاء التابعة لمركز الكفيل للصحة والسلامة العامة، فتكونت من (250) مسعفا، فيما سجلت فرق الإخلاء الطبي التابعة لمؤسسة السبط المجتبى حضور (150) مسعفا من المتطوعين، كما وفر قسم العلاقات العامة (150) مسعفا.

أما الملاكات الطبية النسوية، فشملت (835) متطوعة موزعات على مفارز مركز الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في المحافظات.

وبدوره، عمل القسم على إحالة ونقل الحالات الحرجة من المراكز الطبية الميدانية إلى المستشفيات الحكومية، مع تحديد المستشفيات المستقبلة وآلية النقل، فضلا عن وضع خطة تفصيلية للتعامل مع الكوارث المحتملة، مثل التدافع، وانتشار الأوبئة، والحوادث الكبرى، مع تفعيل خلية الأزمة في كل محافظة مشاركة.



التوعية والتدريب.. ركيزة كفاءة العمل الطبي

تمثل البرامج الإرشادية والتوعوية ركيزة أساسية في الخطط التنظيمية والخدمية للزيارات المليونية، إذ لا يقتصر دورها على تقديم المعلومات، بل يمتد إلى توجيه السلوك وتعزيز قدرة الزائرين على التعامل مع مختلف المواقف الصحية.

وعكست الاستعدادات التي نفذها قسم الشؤون الطبية، عبر عقد الاجتماعات التنسيقية، وتنظيم الورش التدريبية، وإقامة دورات الإسعافات الأولية، إدراكا متزايدا لأهمية الجانب الإرشادي في بناء قدرات الملاكات الطبية والمتطوعين، وتمكينهم من حسن التعامل مع الزائرين وتقديم التوجيهات الصحية المناسبة.

كما عمل القسم على توفير ملاكات طبية إرشادية لدعم هذا الجانب، إلى جانب الاستعانة بأربعين متطوعا يجيدون لغات مختلفة؛ لتسهيل التواصل مع الجاليات الأجنبية.


ومن خلال كل ما تقدم تؤكد العتبة العباسية المقدسة، أن إدارة الملف الصحي في الزيارات المليونية؛ لم يعد يقتصر على توفير الخدمات العلاجية، بل أصبحت مشروعا مؤسسيا متكاملا يقوم على التخطيط المسبق، وتأهيل الملاكات، وتوسيع الشراكات، والاستفادة من الخبرات المتراكمة؛ بما يواكب حجم التحديات التي تفرضها الحشود المليونية.

ومع التطور المستمر في حجم الزيارات وتنوع متطلباتها، تبدو هذه التجربة مرشحة لمزيد من التطوير، عبر توظيف التقنيات الحديثة، وتعزيز التكامل بين الجهات الصحية والخدمية، بما يرسخ مكانة العتبة العباسية المقدسة بوصفها أنموذجا رائدا في إدارة المنظومات الصحية للزيارات المليونية، ويضمن تقديم خدمات أكثر كفاءة واستدامة للزائرين.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

الأخبار الأكثر قراءة