alkafeelGlobal alkafeelGlobal

بين إيران والعراق.. رحلة الوداع الأخير للسيد الشهيد علي الخامنئي

بين إيران والعراق.. رحلة الوداع الأخير للسيد الشهيد علي الخامنئي

شكّل استشهاد سماحة آية الله السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) لحظة مفصلية استدعت موجة واسعة من الحزن والتفاعل في الأوساط الرسمية والدينية والشعبية داخل إيران وخارجها، بالنظر إلى ما مثله من حضور ديني وسياسي امتد لعقود، وما ارتبط باسمه من موقع محوري في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ولم يقتصر أثر هذا الحدث على بيانات النعي ورسائل التعزية التي صدرت عن مراجع الدين العظام والمؤسسات الرسمية والشخصيات العامة، بل تجلى بصورة على نحوٍ أوضح) في مشهد التشييع الذي اتخذ طابعا استثنائيا من جهة اتساعه الجغرافي، وكثافة المشاركة فيه، والرمزية التي أحاطت بمحطاته المختلفة، فقد تحولت مراسم التشييع إلى مسار وداع متواصل امتد بين عدد من أهم المدن في إيران والعراق، بدءا من طهران التي احتضنت التشييع المركزي، مرورا بمدينة قم المقدسة، ثم النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة والختام في مشهد المقدسة.

وفي امتداد هذا المسار، لم تكن مراسم التشييع مجرد انتقال لجثمان الشهيد بين المدن، بل بدت سلسلة من المشاهد التي عكست حجم المكانة التي تمتع بها الراحل في الوجدانين الشعبي والديني، كما أظهرت مستوى التفاعل الرسمي والحوزوي مع نبأ استشهاده، من خلال المشاركة الواسعة في مواكب التشييع، وإقامة صلوات الجنازة، وتنظيم مجالس العزاء، وتهيئة المراقد والعتبات المقدسة لاستقبال حشود المشيعين.

الجمهورية الإسلامية الايرانية تنعى السيد الخامنئي

عند استشهاده (رضوان الله عليه) أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بيانا رسميا نعى فيه سماحة السيد الخامنئي، مستعرضا مكانته الدينية والسياسية، ومؤكدا أن رحيله شكّل خسارة كبرى للشعب الإيراني والأمة الإسلامية وأحرار العالم.

وجاء في نص البيان:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

يا أبناء الشعب الإيراني العظيم لقد التحقت الروح السامية لقائد الشعب الإيراني العظيم، وأحرار العالم والأمة الإسلامية، سماحة الإمام الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية)، بالملكوت الأعلى، محققا أمنيته القديمة التي طالما سعى إليها.

فتأسياً بجده العظيم الإمام علي (عليه السلام)، وافت المنية سماحته في شهر رمضان المبارك، ملبيا نداءه السماوي (فزتُ وربِّ الكعبة) عند لقائه بساحة الحق الإلهي، بعد أن نهل من رحيق الشهادة العذب في هذا الشهر المبارك.

إن الشعب الإيراني الصامد، والأمة الإسلامية، وأحرار العالم كافة، يعيشون اليوم حالة من الحزن والأسى جراء هجمات أمريكا المجرمة والصهاينة الأشرار.

فليعلم الأعداء السفاحون والظلمة الأشقياء على الساحة الدولية، أن ضمائر العالم اليقظة قد وجدت طريقها، وأن هذه الشهادات ـ وإن كانت ثقيلة ومؤلمة على شعبنا وأممنا الإسلامية ـ إلا أنها لن تزيدهم إلا صمودا وعزيمة.

ولا ريب أن استشهاد تلك الشخصية العظيمة سيكون منطلقا لنهضة كبرى في مسار مكافحة مستكبري العالم.

وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.



المرجع الديني الأعلى يعزي باستشهاد السيد الخامنئي

قدم المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، التعازي إلى الشعب الإيراني وعامة المسلمين باستشهاد سماحة آية الله السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه).

وجاء في نصّ البيان:

بسم الله الرحمن الرحيم

(إنا لله وإنا إليه راجعون)

بعميق الأسى أعزي الشعب الإيراني الكريم وعامة المسلمين باستشهاد القائد المعظم للجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة آية الله السيد الخامنئي (رضوان الله عليه).

إنّ الموقع الرفيع لسماحته ودوره الفريد في قيادة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال سنوات طوال واضح للجميع، ولا شك في أنّ الأعداء إنما قصدوا باستشهاده وشن العدوان العسكري الواسع على إيران أن يوقعوا ضررا بالغا على هذا البلد العزيز، والمتوقع من الشعب الإيراني العظيم أن يحافظوا على وحدتهم ويرصوا صفوفهم ولا يسمحوا للمعتدين بأن يحققوا أهدافهم المشومة.

أسأل الله تعالى للفقيد السعيد علو الدرجات والرضوان الإلهي ولجميع المكلومين بفقده الصبر الجميل والأجر الجزيل.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



لمحة من سيرة السيد الشهيد

في بيت علوي متدين بمدينة مشهد، وُلدت البدايات الأولى للشهيد السيد علي الخامنئي؛ حيث تداخل النسب العلمي العريق مع حياة شديدة البساطة، فكان الفقر جزءا من ذاكرة الطفولة، وكانت التربية الدينية الصارمة هي الإطار الذي تشكلت فيه ملامح شخصيته.

ومن بين أجواء البيت المحافظ، وحفظ القرآن الكريم، ومجالس العلم، بدأت تتكون شخصية مبكرة جمعت بين النزوع إلى المعرفة الدينية والانفتاح على الأدب والفكر والتاريخ، لتفتح أمامه طريقا امتد من مدارس مشهد الدينية إلى الحوزات العلمية الكبرى في النجف الاشرف وقم المقدسة.

وأظهرت المسيرة العلمية للسيد الشهيد علي الخامنئي ملامح تكوينه الفكري والفقهي؛ إذ تنقل في طلب العلم بين مشهد وقم المقدستين والنجف الأشرف، متتبعا حلقات الدرس الحوزوية الكبرى وباحثا عن المنهج الأعمق والأستاذ الأوثق، ففي النجف الاشرف حضر دروس عدد من كبار علمائها ومراجعها، من بينهم آيات الله العظمى السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد الشاهرودي، وآيات الله الميرزا باقر الزنجاني والميرزا حسن اليزدي وغيرهم من علماء النجف الاشرف الكبار، مما شدَّه إلى مواصلة الحضور والتعمق في البحث، حتى فكر في البقاء في النجف والاستقرار فيها طلبا للعلم، قبل أن يعود إلى مشهد بطلب من والده، ثم توجه لاحقا إلى قم ليبدأ مرحلة جديدة من التكوين العلمي.

وفي قم المقدسة، اتخذ السيد الخامنئي لنفسه منهجا يقوم على استقراء الدروس المختلفة قبل الاستقرار على ما يراه الأجدر بالمتابعة، فحضر درس آية الله العظمى السيد الخميني، ودرس آية الله الحاج الشيخ مرتضى الحائري، ودرس آية الله العظمى البروجردي، إلا أنّه واظب بصورة مستمرة على حضور درس الأصول للسيد الخميني، مستفيدا من منهجه في البحث والاستنباط، كما استفاد في الفلسفة من بحوث العلامة آية الله السيد محمد حسين الطباطبائي.

وقد أسهم هذا التنوع في الأساتذة والمناهج في صقل شخصيته العلمية، حتى نال رتبة الاجتهاد على يد أستاذه آية الله العظمى السيد الحائري عام 1974م، بعد أكثر من خمسة عشر عاما من حضور البحث الخارج، في مسيرة علمية عكست جديته في التحصيل وعمق اشتغاله بالفقه والأصول والفلسفة.

ولم تتوقف هذه المسيرة عند حدود التلقي والتحصيل، بل تحولت إلى مشروع في التأليف والبحث والكتابة، فمنذ عام 1963م اشتغل سماحة السيد الخامنئي دام ظله بالتأليف، وترك عددا كبيرا من المؤلفات طُبع بعضها وبقي بعضها الآخر غير مطبوع، بما يعكس سعة اهتماماته وتنوع حقوله المعرفية بين العقيدة والفقه والفكر الإسلامي والتفسير والحديث والأخلاق والسيرة والتاريخ والترجمة.


وتكشف هذه المسيرة، بما حملته من تنوع في الموضوعات والاهتمامات، عن شخصية علمية موسوعية لم تقف عند حدود الدرس الحوزوي التقليدي، بل انفتحت على قضايا الفكر الإسلامي والقرآن والتاريخ والسياسة والأخلاق والفن والسيرة، وهو ما جعل من تجربته الدراسية والتأليفية رصيدا مكملا لمكانته الدينية والسياسية، وأحد المفاتيح لفهم حجم الحضور الذي أحاط برحلة تشييعه، فضلا عن دوره في قيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران وترسيخه لاحقاً، وقيادته لها في عقود من الزمن حتى استشهد على ذلك الحال (رضوان الله عليه).



طهران.. مشهد الوداع الكبير

مثّلت مراسم تشييع الفقيد السعيد في العاصمة الإيرانية طهران حدثا استثنائيا على المستويين الشعبي والسياسي، إذ تحولت المدينة إلى ساحة حداد مفتوحة منذ الساعات الأولى من يوم التشييع، مع تدفق الحشود من داخل إيران وخارجها للمشاركة في وداع شخصية تعد أبرز رموز الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العقود الأخيرة.

وقد اتسمت المراسم بحجم تنظيمي وأمني واسع، وبحضور رسمي وشعبي كثيف، جعل من التشييع واحدا من أكبر المشاهد الجماهيرية التي شهدتها طهران في السنوات الأخيرة.

وسبقت يوم التشييع الرسمي مراسم وداع داخل طهران استمرت لساعات طويلة، وجرى فتح مواقع الاستقبال أمام المعزين منذ الصباح الباكر، قبل أن تنطلق الفعاليات الرئيسة مع ساعات الفجر الأولى، إذ بدأت الحشود بالتوافد إلى أكبر مساجد طهران (مصلى الإمام الخميني) الذي احتضن صلاة الجنازة والمراسم المركزية.

وبعد ذلك انتقل المشيعون إلى مسار التشييع العام داخل العاصمة، وسط ترتيبات خاصة بالنقل وإدارة الحشود، وإجراءات هدفت إلى تسهيل انسيابية الحركة في الشوارع الرئيسة.

وامتد مسار التشييع عبر عدد من الساحات والشوارع المحورية في طهران، ليمنح المشاركة الشعبية أوسع حضور ممكن، إذ انطلق الموكب من شارع دماوند شرق العاصمة، مرورًا بميدان الإمام الحسين، ثم ساحة انقلاب، وبعدها باتجاه شارع آزادي وصولًا إلى شارع الشهيد لشكري.

وقد عكس هذا الامتداد الطويل عبر قلب المدينة رغبة السلطات في أن تكون المراسم ذات طابع جماهيري عام، لا يقتصر على موقع الصلاة فحسب، بل يشمل فضاء العاصمة بأكمله.

وفي (مصلّى الإمام الخميني) أُقيمت صلاة الجنازة على السيد الخامنئي، وأمّ الصلاة آية الله جعفر السبحاني، بحضور كبار المسؤولين الإيرانيين، يتقدمهم رئيس الجمهورية الإيراني، وعدد من القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية، إلى جانب أفراد من عائلة السيد الخامنئي.

وشكّلت هذه المحطة واحدة من أبرز لحظات التشييع، لما حملته من دلالات دينية ورسمية، ولما حظيت به هوية من أمّ الصلاة من اهتمام واسع في التغطيات الإعلامية المصاحبة للمراسم.



قم المقدسة.. وداع الحوزة العلمية

تعد محطة قم المقدسة واحدة من أبرز محطات تشييع السيد الفقيد الشهيد داخل إيران، لما تمثله المدينة من ثقل ديني وحوزوي في الوجدان الشيعي الإيراني، فبعد اختتام المراسم المركزية في طهران، وصل الجثمان إلى قم المقدسة، لتبدأ في اليوم التالي مراسم تشييع جديدة اتسمت بطابع ديني واضح، وسط حضور جماهيري واسع وحشود غفيرة ملأت شوارع المدينة في مشهد وداعي، حمل دلالات رمزية تتجاوز البعد البروتوكولي إلى البعد العقائدي والمعنوي.

وقد تحولت قم المقدسة، بما تضمه من حوزات علمية ومراقد ومراكز دينية، إلى محطة وداع خاصة، بدت فيها المراسم أقرب إلى وداع الحوزة العلمية لواحد من أبرز الوجوه الدينية والسياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

واستهلت المراسم في قم بصلاة جنازة أُقيمت صباح الثلاثاء في مسجد جمكران، أمّها آية الله عبد الله جوادي الآملي، قبل أن ينطلق موكب التشييع في شوارع قم المقدسة وسط حشود غفيرة، مع مشاركة لافتة لرجال الدين وطلبة الحوزة والمؤسسات الدينية إلى جانب عامة المشيعين.

وقد أضفت طبيعة المدينة ومكانة مسجد جمكران والحضور الحوزوي المكثف على التشييع طابعا مختلفا عن العاصمة طهران، إذ غلب عليه البعد الديني والرمزي، بوصف قم المقدسة إحدى أهم حواضن الدراسة الدينية الشيعية في إيران والعالم.

ومثلت مراسم التشييع في مدينة قم المقدسة حلقة انتقالية بين المحطة الإيرانية والمحطة العراقية في مسار التشييع، إذ جاءت بعد الحشد الكبير في طهران وقبل انتقال الجثمان إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.

النجف الأشرف.. والوداع المهيب

شكلت محطة مدينة النجف الأشرف واحدة من أكثر محطات تشييع السيد الخامنئي رمزية وتأثيرا، لما تمثله المدينة من ثقل ديني وعلمي في الوجدان الشيعي عالمياً، ولارتباطها بمرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والحوزة العلمية التي تعد من أهم الحواضر الدينية في العالم الإسلامي، وأهمها على مستوى مدرسة أهل بيت عليه السلام.

وجرى التشييع في النجف الاشرف يوم الأربعاء الموافق 8-7-2026م في تمام الساعة السادسة صباحا، وامتد التشييع من مجسر الكوفة مرورا بساحة الصدرين ثم باتجاه مجسرات ثورة العشرين وصولا الى مرقد امير المؤمنين (عليه السلام).

وشاركت في التشييع حشود كبيرة تدفقوا من داخل النجف ومن مختلف المحافظات العراقية.

ومع وصول الجثمان الطاهر إلى رحاب المرقد العلوي الشريف، ارتسم في النجف الأشرف مشهد وداعي مهيب، إذ احتشدت جموع المشيعين منذ ساعات الصباح الأولى على امتداد الطرق المؤدية إلى مرقد امير المؤمنين (عليه السلام)، فيما شهدت المدينة استنفارا تنظيميا واسعا لاستقبال المشاركين وإدارة حركة توافد المشيعين.

وفي الصحن العلوي الشريف أُقيمت صلاة الجنازة على الجثمان الطاهر إذ أم المصلين الأستاذ في الحوزة العلمية سماحة أية الله السيد محمد تقي الحكيم، إلى جانب حضور لافت لأساتذة وطلبة الحوزة العلمية وفضلائها، وقد أضفى هذا الحضور الحوزوي على المراسم طابعا خاصا، إذ بدا التشييع في النجف الأشرف أقرب إلى وداع علمي وروحي في المدينة المقدسة.

وبانتهاء صلاة الوداع ومراسم التشييع في الصحن العلوي، أُسدلت الستارة على محطة النجف الأشرف بوصفها واحدة من أكثر محطات التشييع مهابة ووجدانا، قبل انتقال الجثمان إلى كربلاء المقدسة لاستكمال مراسم التشييع هناك.



العتبة العباسية المقدسة.. استعدادات ميدانية وخدمية لاحتضان مراسم التشييع

قبيل انطلاق مراسم تشييع النعش الشريف في كربلاء المقدسة، عقدت إدارة العتبة العباسية المقدسة اجتماعا موسعا لوضع اللمسات النهائية على الخطة الخاصة بالمراسم، في خطوة عكست حجم الاستعدادات المبكرة التي سبقت الحدث.

وشهد الاجتماع حضور نائب الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة السيد عباس موسى أحمد، وأعضاء مجلس الإدارة، إلى جانب عدد من المسؤولين ورؤساء الأقسام، إذ جرى بحث محاور الخطة النهائية وتنسيق الأدوار بين الجهات المعنية، بما يضمن تكامل الجهد التنظيمي والخدمي في أثناء التشييع، وتركزت المناقشات على مختلف الجوانب المرتبطة بالمراسم، ولا سيما ما يتصل بانسيابية حركة المشيعين، وإدارة مواقع التجمع، وتوفير المتطلبات اللوجستية والخدمية اللازمة، بما ينسجم مع طبيعة الحدث وحجم الحشود المتوقعة في مدينة كربلاء المقدسة.

وعقب استكمال هذه التحضيرات، شرعت العتبة المقدسة بتنفيذ خطة تنظيمية وخدمية وفنية متكاملة استعدادا لإقامة مراسم التشييع، عبر حزمة من الإجراءات الميدانية التي استهدفت تهيئة مسارات التشييع، وإعداد مواقع استقبال المعزين، وتجهيز البنى الخدمية واللوجستية والفنية اللازمة لاستيعاب الحشود وضمان انسيابية حركتها.

وتوزعت هذه الاستعدادات على عدد من المحاور، كان أبرزها تهيئة منطقة بين الحرمين الشريفين، إذ نُفذت فيها حملة خدمية شملت غسل الساحة الوسطية وفرشها بالسجاد، وتنظيم الممرات الخاصة بحركة المشيعين، إلى جانب نصب منظومة الصوتيات في الساحة لتأمين التغطية الصوتية للمراسم.

وشملت التحضيرات أيضا تهيئة الحرم الشريف لمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) لاستقبال النعش الشريف وحشود المعزين، عبر تفريغ عدد من المساحات الداخلية ورفع بعض القواطع بما يضمن انسيابية حركة التشييع والطواف بالنعش حول شباك المرقد الطاهر، فضلا عن إعداد خطة تنفيذية لمسار التشييع من العتبة الحسينية المقدسة مرورا بمنطقة بين الحرمين الشريفين وصولا إلى العتبة العباسية المقدسة.

كما باشرت ملاكات العتبة المقدسة بتهيئة صحن السيدة أم البنين (عليها السلام)، ليكون أحد المواقع الساندة في استقبال المعزين، عبر تنظيفه وفرشه وتجهيز مبردات الهواء وتوفير مياه الشرب المبردة، إلى جانب نصب شاشة عرض في باب القبلة لمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) لنقل مراسم التشييع مباشرة إلى الزائرين والمعزين، فضلا عن إعداد منصة خشبية خاصة لوضع النعش الشريف داخل العتبة المقدسة، خلال مراسم الزيارة والعزاء.

وعلى المستوى الخدمي، فعلت العتبة العباسية المقدسة محورا ميدانيا واسعا لاستقبال المعزين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، بالتنسيق مع المواكب الحسينية وأقسامها الخدمية والساندة، وشملت هذه الجهود تجهيز المواكب الخدمية بعشرة آلاف صندوق ماء، وفتح منافذ لتوزيع المياه وقوالب الثلج، في وقت واصل فيه معملا الفرات والعلقمي العمل لتوفير آلاف قوالب الثلج وأكياس الثلج البلوري يوميا، بما يسهم في تغطية احتياجات المواكب والوافدين خلال مراسم التشييع.

كما واصلت المواكب الحسينية تقديم خدماتها على مدار الساعة عبر توفير الطعام والمشروبات الباردة والساخنة، في حين قدمت شعبة السادة الخدم خدمات مباشرة للمشاركين عند باحة باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، شملت توزيع الماء والطعام والمشروبات الباردة.

وامتدت الخطة الخدمية لتشمل تعزيز خدمات الأمانات والكيشوانيات، وإشراك مئات المتطوعين في أعمال التنظيم والنظافة والخدمة، إلى جانب دعم مراسم التشييع بخطة إطعام واسعة تولى قسم المضيف بموجبها تقديم نحو 150 ألف وجبة طعام توزعت على عدد من المحاور في مدينة كربلاء المقدسة، كما أسهم قسم الآليات، بالتعاون مع قسم الشؤون الطبية، في دعم الجهد الصحي للمراسم عبر نشر عجلات الإسعاف في عدد من المواقع الحيوية ضمن محيط المرقد الطاهر، بما يضمن سرعة الاستجابة للحالات الطارئة.

وتعكس هذه الإجراءات مجتمعة حجم الجهد التنظيمي والخدمي الذي بذلته إدارة العتبة العباسية المقدسة لاحتضان مراسم التشييع، بما ينسجم مع مكانة الحدث وحجم الحشود المشاركة فيه، ويؤمن بيئة ملائمة للمعزين والمشيعين في مختلف مواقع المراسم داخل كربلاء المقدسة.



قبل وصول جثمان الشهيد.. تشييع للعائلة وتعزية لنجله الأكبر

قبل وصول الجثمان الطاهر إلى كربلاء المقدسة، شهدت العتبة العباسية المقدسة مراسم تشييع جثامين أفراد عائلته الذين استُشهدوا معه، في محطة اتشحت بالحزن ومهدت لأجواء الوداع التي ستحتضنها المدينة لاحقًا.

وأُقيمت مراسم التشييع في رحاب مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، بحضور مسؤولي العتبة العباسية المقدسة وجموع من المعزين الذين توافدوا للمشاركة في توديع الجثامين، فيما خيمت على المراسم أجواء من الحزن والأسى، وتخللتها قراءة زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام) والدعاء بالرحمة والمغفرة للشهداء، في مشهد وجداني عكس حجم الفاجعة التي أحاطت بالحدث.



وتزامن ذلك مع استقبال المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، السيد مصطفى الخامنئي النجل الأكبر للسيد الشهيد، في لقاء حمل طابع التعزية والمواساة، إذ قدم سماحته تعازيه باستشهاد السيد الخامنئي (رضوان الله عليه) وعائلته، مؤكدا مشاعر التضامن والمواساة في هذه المناسبة الأليمة.



تشييع السيد الخامنئي في كربلاء

شكّلت كربلاء المقدسة المحطة الأخيرة في مراسم تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) داخل العراق، إذ احتضنت المدينة مشهد الوداع الأوسع والأكثر كثافة من جهة الحشود والمسير الشعبي باتجاه العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية.

فبعد انتهاء مراسم التشييع في النجف الأشرف، توافدت الحشود إلى كربلاء المقدسة للمشاركة في التشييع الأخير في العراق، وسط استنفار تنظيمي وأمني وخدمي واسع تولّت من خلاله الجهات المعنية والعتبتان المقدستان، إدارة حركة الجموع وتأمين انسيابية المسير نحو مركز المراسم.

وقد اتخذت المدينة منذ ساعات مبكرة من يوم التشييع طابعا استثنائيا، مع امتلاء محاورها الرئيسة بالمواكب والمعزين القادمين من داخل كربلاء ومن مختلف المحافظات العراقية للمشاركة في هذا الوداع المهيب.

وبعد وصول الجثمان الطاهر عند الساعة السابعة مساء من يوم الأربعاء المصادف 8-7-2026م، انطلقت مراسم التشييع من شارع الشهيد أبو مهدي المهندس، باتجاه دوّار سيد جودة ثم ساحة التربية وصولا إلى مركز المدينة، قبل أن تتجه الجموع نحو العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية.

وبدا هذا المسير موكباً عزائياً مفتوحاً امتد على طول الشوارع المؤدية إلى المرقدين الشريفين، إذ ارتفعت الرايات وتعالت صيحات الوداع، فيما اصطف المعزون على جانبي الطريق في مشهد غلبت عليه أجواء الحزن والهيبة.

وعند وصول النعش الى صحن مرقد الامام الحسين (عليه السلام) أُقيمت صلاة الجنازة على الجثمان الطاهر، وأمّ الصلاة ممثل المرجعية الدينية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي، في واحدة من أبرز محطات التشييع داخل كربلاء، إذ مثّلت هذه الصلاة ذروة المراسم الدينية في المدينة قبل مواصلة مسير الوداع باتجاه صحن مرقد ابي الفضل العباس (عليه السلام).



إقامة صلاة الجنازة ومجلس العزاء في ختام الوداع الكربلائي

ظهرت العتبة العباسية المقدسة واحدة من أبرز محطات تشييع النعش الشريف في كربلاء المقدسة، إذ شهدت في رحاب مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) مراسم التشييع وصلاة الجنازة ومجلس العزاء على روحه الطاهرة، في مشهد اتسم بالحزن والخشوع، وحضره مسؤولو العتبة المقدسة، وجموع كبيرة من المؤمنين.

وفي الصحن الشريف أُقيمت صلاة الجنازة على الجثمان الطاهر بإمامة المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، في محطة مثلت ذروة مراسم الوداع داخل العتبة المقدسة، قبل أن تتواصل المراسم بقراءة زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام) وإقامة مجلس عزاء على روح السيد الشهيد، في إطار الوداع الأخير وإحياء ذكراه في رحاب المرقد الطاهر.



مشهد المقدسة.. المحطة الأخيرة

اختتمت مراسم تشييع السيد علي الخامنئي في مشهد المقدسة، إذ نقل الجثمان الطاهر إلى المدينة في المحطة الأخيرة من مسار التشييع داخل إيران والعراق، تمهيدا لدفنه في جوار مرقد الإمام الرضا (عليه السلام).

واكتسبت هذه المحطة رمزية خاصة، بكون المدينة مسقط رأسه ومحل ولادته، فضلا عن مكانتها الدينية بوصفها تحتضن المرقد الرضوي الشريف، ما جعل مراسم الوداع فيها تتخذ طابعا جامعا بين البعد الديني والوجداني.

وشهدت المدينة حضورا جماهيريا واسعا منذ ساعات الصباح الأولى، إذ توافدت الحشود إلى الطرق المؤدية إلى حرم الامام الرضا (عليه السلام) للمشاركة في التشييع الأخير، وسط ترتيبات خدمية وأمنية كبيرة لاستيعاب أعداد المعزين وتنظيم حركة الوفود القادمة من داخل إيران وخارجها.

وقد سارت الجموع في مسار التشييع باتجاه مرقد الإمام (عليه السلام)، في مشهد غلبت عليه الرايات الحمراء والهتافات وشعارات الوداع، قبل أن تُختتم المراسم بمواراة الجثمان الشريف الثرى في مرقد الإمام الرضا (عليه السلام).



خلاصة المشهد

في ختام رحلة التشييع، بدا واضحا أن مراسم وداع السيد الشهيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) لم تكن مجرد انتقال للجثمان بين المدن، بقدر ما مثلت مسارا عزائيا واسعا عبّرَ عن حجم حضوره في الوجدان الديني والشعبي، وعن المكانة التي شغلها في الحياة العامة على مدى عقود.

فمن طهران إلى قم المقدسة، ومن النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة، وصولا إلى مشهد حيث ووري الثرى في جوار مرقد الإمام الرضا (عليه السلام)، ارتسمت مشاهد متتابعة من الحزن والوفاء، شاركت فيها الحشود الشعبية، واحتضنتها الحوزات العلمية والعتبات والمراقد المقدسة، لتتحول رحلة التشييع إلى واحدة من أبرز صور الوداع التي رافقت رحيله.

كما عكست هذه المحطات، بما شهدته من صلوات جنازة ومجالس عزاء ومواكب تشييع ومشاركة رسمية وحوزوية وشعبية، اتساع دائرة التأثر باستشهاده، وحجم التفاعل مع هذا الحدث في أكثر من مدينة ومحطة.

وبذلك، لم يُختتم التشييع عند حدود الدفن في مشهد المقدسة فحسب، بل بقيت صوره الممتدة بين إيران والعراق شاهدة على وداعٍ كبير، رسمته الحشود، واحتضنته المراقد، وحفظته ذاكرة المدن التي مر بها الجثمان الطاهر في رحلته الأخيرة.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة