الاطعام الفكري.. حينما نوظف الوعي في الزخم المليوني
تقدم العتبة العباسية المقدسة ملايين الوجبات الغذائية المجانية إلى زائري أربعين الإمام الحسين (علية السلام) على امتداد الطرق المؤدية الى كربلاء المقدسة؛ هذه هي الخدمة البارزة التي ارتبطت بالزيارات المليونية؛ لكن عطاء العتبة العباسية المقدسة لا يتوقف عند إشباع الجسد؛ بل امتد إلى تغذية العقل وإرواء الفكر، حيث حرصت على أن يكون لكل زائر زاد معرفي كما يكون له زاد غذائي.
فإذا كان إطعام الجسد يستدعي الوصول إلى الزائر أثناء مسيرته؛ فإن إطعام الفكر يقتضي أن ترافق الزائر المعرفة في المسير نفسه، ومن هذا المفهوم وظفت العتبة العباسية المقدسة إمكاناتها الفكرية في الزخم المليوني لزيارة الأربعين، وحولت طريق الزائرين إلى مساحة للتثقيف والتوعية، عبر إطلاق الموكب الثقافي العام.
ولادة المبادرة
مهما تحمل زيارة الأربعين من بعد طوعي؛ لكنها تحت ظل الزخم المليوني لابد من أن تحمل جهدا فكريا طوعيا آخر ينظم بإحكام؛ لذا نظرت العتبة العباسية المقدسة إلى هذا الحشود البشرية، ورأت فيها فرصة استثنائية لنشر الوعي الديني وترسيخ قيم النهضة الحسينية، إذ بدأت ولادة الموكب بإطلاق مشروع ثقافي عام 2020 تحت مسمى محطات فتية الكفيل بهدف تقديم برامج ثقافية وتوعوية على امتداد طريق الزائرين.
ومع ازدياد أعداد الزائرين سنويا اتسعت التجربة أيضا؛ لتشمل مشاركة متعددة من اقسام العتبة العباسية المقدسة، وتنوعت البرامج والفعاليات، حيث تطورت هذه المبادرة وتجاوزت مفهوم المحطات المحددة وأصبحت مشروعا ثقافيا ومعرفيا متكاملا.
ومع هذا الاتساع في المشاركة اكتملت ولادة المبادرة في عام 2024؛ لتحمل مشروعا ثقافيا ميدانيا موسوما بـ(الموكب الثقافي العام)، ليعكس حجم اتساع رسالته وشمولية أنشطته مع توحيد جهود المشاركين فيه على الرغم من التنوع في أساليب مخاطبة الجمهور المليوني؛ لكنها تقدم خطابا ثقافيا معرفيا غايته نشر الوعي في أهم ظاهرة مشي مليوني بالعالم.
![]()
مهام استباقية
نشر الوعي والثقافة والمعرفة يحتاج إلى منظومة عمل متكاملة لا تقل تنظيميا وتخطيطيا عن المنظومات الخدمية الأخرى، والموكب الثقافي العام انموذجا لهذا العمل المؤسسي الذي تتكامل فيه جهود أقسام العتبة العباسية المقدسة قبل انطلاقه وفي حينه؛ من أجل تقديم خدمة ثقافية توازي في أهميتها مختلف الخدمات المقدمة لزائري الأربعين.
وتبدأ الاستعدادات لنصب الموكب الثقافي العام قبل انطلاق الزائرين، حيث تعقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية تبحث الخطط التنظيمية، وتحدد احتياجات الموكب، وتوزع المهام بين الأقسام المشاركة، مستفيدين من الملاحظ والمؤشرات التي تسجل في كل عام، بهدف تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الخدمة الثقافية والمعرفية.
ويؤدي كل قسم دوره على وفق اختصاصه من ضمن منظومة عمل واحدة، حيث يتولى قسم الصناعات والحرف الفنية تنفيذ هياكل الموكب والجوانب الفنية والإنشائية، ويؤمن قسم المخازن المواد والمستلزمات اللوجستية، أما الأقسام الثقافية والفكرية والإعلامية والدينية والقرآنية فتقوم بإعداد البرامج والمحتوى المعرفي، فضلا عن الأقسام الأخرى التي تتولى الإشراف والتنسيق الميداني لضمان انسيابية العمل؛ هكذا توحدت التخصصات المختلفة في مشروع واحد، هدفه الشروع بالتغذية الفكرية لكل زائر قادم إلى كربلاء المقدسة.
ولكي ترافق رسالتها الثقافية الزائر منذ بداية مسيرته حتى وصوله إلى مرقد الإمام الحسين وأخية أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، وزعت العتبة العباسية المقدسة مراكز الموكب الثقافي العام على المحاور الثلاثة المؤدية إلى كربلاء المقدسة، حيث يقع المحور الأول من الموكب على طريق (بغداد ـ كربلاء) في مجمع الشيخ الكليني(قدس سرة)، والمحور الثاني فيقع على طريق (بابل ـ كربلاء) في مجمع العلقمي الخدمي، أما المحور الثالث فيقع على طريق (النجف ـ كربلاء) في جامعة العميد، فضلا عن 186 محطة توزعت على المحاور نفسها.
![]()
كتب تزين طريق الوعي
خصص الموكب جزءا رئيسا من نشاطاته لعرض الكتب الفكرية بواسطة معارض متنوعة على طريق الزائرين، وهذه المعارض ليست جناح لعرض الإصدارات او مركزا لبيع المطبوعات من اجل مردود مادي؛ بل هي محطات معرفية مجانية تستوقف الزائر أثناء مسيرته، وتدعوه إلى أن يمنح عقله نصيبا من الرحلة الحسينية؛ فالكتاب في هذا المشروع هو منتجٌ ثقافي ووسيلة لإدامة أثر النهضة الحسينية في نفوسهم وليحملوا هذا الأثر الى مدنهم بعد انتهاء مراسم زيارة الأربعين.
ويجسد المعرض هذا التوجه عن طريق تنوع محتواه، فقد عرض قسم الشؤون الفكرية والثقافية مئات العناوين التي تنوعت بين الموسوعات والكتب الدينية والفكرية والثقافية والتعليمية، فيما يقدم قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية كثيرا من مؤلفاته وإصداراته المحققة، فضلا عن اكثر من 5000 بروشور توعوي خاص بزيارة الأربعين، ويشارك قسم الشؤون الدينية في توزيع الإصدارات الدينية والمطويات التوعوية، وآلاف النسخ المطبوعة من زيارة الأربعين المخصوصة، في حين يثري متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات المعرض بمخطوطات ومقتنيات تراثية تتيح للزائر الاطلاع على جوانب من التأريخ الإسلامي والإرث الحضاري، بينما تقدم مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات معرضا توثيقيا تصويريا، يسلط الضوء على الجرائم التي ارتكبها النظام المباد بحق الشعب العراقي وزائري الإمام الحسين (عليه السلام)، فضلا عن ما تعرضت له مواكب الخدمة الحسينية من تضييق واستهداف.
هذا الحضور المتنوع الواسع للكتب والإصدارات يعبر عن رؤية واضحة تتبناها العتبة العباسية المقدسة، مفادها أن بناء الوعي يبدأ من الكلمة، وأن الطريق إلى الإمام الحسين (عليه السلام) هو جزء لا يتجزأ من طريق المعرفة، ولابد من أن يتزود منها الزائر بفكرة جديدة او معلومة قيمة تنفعه طوال حياته.
![]()
حوار ينمي العقول
إذا كان الكتاب يمثل المدخل الأول لصناعة الوعي، فإن الحوار يمثل مرحلته الأعمق؛ لأنه يتيح للزائر أن يناقش ويستفسر ويشارك في إنتاج المعرفة، لا أن يكتفي بتلقيها فقط؛ لذلك حرص الموكب الثقافي العام على أن تكون محطاته مساحة للحوار والتفاعل، تتجاوز أسلوب المحاضرة التقليدية، وذات خطاب حي يلامس الواقع ويجيب عن أسئلة المجتمع.
وتجسدت هذه الرؤية عبر منظومة متنوعة من الفعاليات، شملت الندوات الفكرية، والجلسات الحوارية، والمحافل القرآنية، وبرامج تعليم القرآن الكريم، والمسابقات الثقافية والقرآنية، ومحطات فتية الكفيل، وتجارب الواقع الافتراضي (VR)، وبرامج الأطفال، والمرسم الحسيني، والإجابة عن الاستفتاءات الشرعية، فضلا عن المعارض التراثية والتوثيقية وورش الفنون الإسلامية، وقد تنوعت هذه الوسائل لتلائم مختلف الفئات العمرية والثقافية، فلم تقتصر على إيصال المعلومة، بل سعت إلى إشراك الزائر في الحوار والتفاعل والتجربة، ليصبح شريكا في صناعة المعرفة، لا متلقيا لها فحسب.
جميع هذه الأنشطة جاءت ثمرة لتكامل جهود أغلب أقسام العتبة العباسية المقدسة، التي وحدت اختصاصاتها وإمكاناتها لتقديم مشروع ثقافي متكامل، غايته تحقيق أثر معرفي وثقافي يمتد إلى ما بعد انتهاء الزيارة، أذ أن هذا التنوع في البرامج والفعاليات، مكّن العتبة العباسية المقدسة على النجاح في مخاطبة مختلف شرائح المجتمع بما يناسب أعمارهم واهتماماتهم ومستواهم الثقافي؛ فوجد الباحث عن المعرفة كتابا، وطالب الفتوى مرشدا، ومحب القرآن مجلسا، والطفل مساحة للتعلم والترفيه، والشاب حوارا يناقش قضاياه ويقدم له معالجات واقعية.
![]()
إحصائيات الأثر الفكري
تقاس المشاريع الثقافية بقدرتها على الوصول إلى الجمهور وصناعة أثر فيه؛ لذلك مثلت الإحصائيات التي حققها الموكب الثقافي العام مؤشرا واضحا على نجاح مشروع العتبة العباسية المقدسة في تحويل طريق الزائرين إلى محطات معرفية مفتوحة، تتكامل فيها الخدمة الفكرية مع الخدمة المادية، ليغادر الزائر كربلاء المقدسة وهو يحمل الوعي الثقافي في جوانبه المختلفة.
وتشير أرقام موسم الأربعين لعام 2025 إلى أن هذا المشروع الثقافي يسير نحو التطور، حيث استقطبت فعاليات الموكب (472,000 ألف زائر)، هذا الرقم يعكس حجم تفاعل الزائرين مع برامج الموكب المعرفية، ويؤكد أن الخدمة الثقافية أصبحت مقصدا للزائر، كحال الخدمة الغذائية؛ إذ شهد الموكب في اخر عام تنظيم (30 جلسة حوارية) ناقشت قضايا فكرية وثقافية واجتماعية، إلى جانب تقديم (14 عملا مسرحيا) جسدت قيم النهضة الحسينية ورسائلها الإنسانية بلغة فنية مؤثرة، تجمع بين الإبداع والتوعية، وفي ميدان نشر المعرفة وفر الموكب أكثر من (400 إصدار) تنوعت بين الكتب الدينية والفكرية والثقافية والتحقيقية، فضلا عن توزيع (1000 منشور ورقي) تناول موضوعات تتعلق بآداب الزيارة، والثقافة الاسلامية، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)؛ ليصل المحتوى المعرفي إلى الزائر بوسائل متعددة تراعي اهتماماته واحتياجاته.
وهذه الأرقام الاحصائية تعكس مدى التحول في سلوك الزائر، حيث أصبح الزائر يبحث عن المعرفة، ويحضر الجلسات الحوارية، ويقتني الكتب، ويتفاعل مع الفعاليات الثقافية، ولاسيما أن كل موسم من مواسم الأربعين، تتوسع دائرة المشاركة وتتزايد أعداد المحطات والبرامج والمستفيدين، بما يعكس تصاعدا مستمرا في حجم المشروع ونوعية خدماته، حتى أصبح منظومة ثقافية ومعرفية متكاملة.
وأثبت الموكب الثقافي العام أن الزخم المليوني في زيارة الأربعين هو فرصة حضارية لصناعة الوعي، وأن ملايين الأقدام التي تتجه نحو كربلاء المقدسة يمكن أن ترافقها ملايين الرسائل الفكرية والثقافية، فحين تتحول محطات المسير إلى محطات للكتاب، والحوار، والقرآن، والمعرفة، فإن رحلة الأربعين لا تنتهي عند الوصول إلى مرقد الامام الحسين (عليه السلام) إنما تمتد لترافق الزائر في فكره وسلوكه طوال حياته.
وهكذا، لم يعد الإطعام في مشروع العتبة العباسية المقدسة يقتصر على ما يقدم في اطباق الطعام؛ بل أصبح يشمل ما يغرس في العقول والقلوب من قيم ومعرفة.
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد
تعليقات القراء