دينيًّا وثقافيًّا: هكذا أحيت العتبة العباسية المقدسة الأيام التسعة الأولى من شهر المحرم
المجالس الحسينية والأنشطة الثقافية والتوعوية ليست مجرد مجالس لاستذكار المصيبة الأليمة التي حلت بالحسين (عليه السلام) وأهل بيته في كربلاء، بل هي مدرسة متجددة لترسيخ قيم الإيمان والوفاء والتضحية وبوابة لبناء الوعي الديني والثقافي في المجتمع واصلاح الامة الإسلامية التي قامت لأجلها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).
ومع حلول شهر احزان اهل البيت (عليهم السلام) قدمت العتبة العباسية المقدسة عبر مجموعة من أقسامها ومؤسساتها المختلفة عدداً من الأنشطة الدينيةوالثقافية في كربلاء المقدسة وعدد من المحافظات العراقية، بهدف إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وترسيخ القيم الإيمانية والإنسانية التي جسدتها الواقعة الاليمة.
وتنوعت الأنشطة التي اقيمت بين المواكب الثقافية، والبرامج القرآنية، والمبادرات التربوية والتوعوية، في إطار سعي العتبة المقدسة إلى إبراز الأبعاد الإنسانية والإصلاحية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، ونشر قيم الأخلاق والوعي والمسؤولية، بما يسهم في بناء مجتمع متمسك بمبادئه الدينية والإنسانية.

اقتباس
يؤكد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة العلامة السيّد أحمد الصافي، على بذل الجهود لخدمة زائري المراقد المقدّسة، والعمل على إيصال المفاهيم الإسلامية إليهم، جاء ذلك خلال لقائه وفد مبلغي العتبتين المقدّستين الحسينيّة والعبّاسية، وفضلاء الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
وقال السيد الصافي،"إن زوار العتبات المقدّسة أحوج ما يكونون لحضراتكم كمبلّغين، وهذه الحاجة لا تخلو من أمرَين، إمّا السؤال المباشر عن مسألة شرعية، أو الاسترشاد عن قضية اجتماعية، لكونهم ينظرون إليكم نظرة الموجِّه الناصح.
وأضاف، "لا يخفى عليكم وأنتم أهل الاختصاص أن السائل قد يأتيكم شاكياً ذنبه، وقد يكون مرتكباً لأبشع الذنوب، مثل هذا أحوج ما يكون منكم إلى إرشاده لباب رحمة الله تعالى، فباب التوبة مفتوح، شريطة أن يتحمّل المذنب جريرة ما فعل، دون سدّ الباب بوجهه، وأنتم إن شاء الله عاملون بذلك.
وشدّد سماحته، على أمرَين أوّلهما: أهمّية إيصال المفاهيم الإسلامية على نحوٍ مُبسط للناس، والآخر يتمثّل بعكس الصورة الناصعة للفضلاء وطلبة الحوزة العلمية، من خلال إظهار السلوك الذي يخلق الثقة أمام الزائرين الكرام، متأسّين بسيرة النبي الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله)، والعترة الطاهرة (عليهم السلام) بالسير على نهجهم المبارك.
كما أكد سماحته، على ضرورة توحيد مواكب العزاء الحسينية بما يمثل ثقافة كل مدينة وتراثها الحسيني الأصيل، وفقًا للمتوارث من الشعائر الحسينية من السلف الصالح في العراق، بكونه بلد العزاء.
وحثّ السيد الصافي على استمرار إقامة الشعائر الحسينية لإحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصًا العزائية منها، والتركيز على التراث العزائي الأصيل في القصائد الحسينية على وفق مباني الأدب العراقي.

الخدمات الدينية وإحياء الشعائر الحسينية
عبر حزمة واسعة من البرامج الدينية والعبادية والمجالس التبليغية التي استهدفت مختلف شرائح المجتمع داخل العراق وخارجه، حرصت العتبة العباسية المقدسة خلال الأيام التسعة الأولى من شهر المحرم الحرام لعام 1448هـ على إحياء الشعائر الحسينية وترسيخ القيم الإيمانية والإنسانية التي جسدتها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)،
وشملت هذه البرامج إقامة المجالس العزائية المركزية، والمحافل القرآنية، والأنشطة التبليغية، والبرامج العبادية التي وفرت أجواءً إيمانية أسهمت في تعميق الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) واستذكار تضحياتهم الخالدة.

البرامج الثقافية.. تنوع فكري ورسالة هادفة
أطلق قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة فعاليات عده تعمق من خلالها الوعي المجتمعي وترسخ المبادئ الفكرية والثقافية ومنها (الخيمة الثقافية) في محافظة ذي قار، وافتتحت بالتعاون بين مركز ملتقى القمر الثقافي – فرع شمال ذي قار، ومعهد القرآن الكريم في ذي قار أحد تشكيلات المجمع العلمي للقرآن الكريم في العتبة المقدسة.
وتضمنت فعاليات الخيمة عرضًا لإصدارات العتبة المقدسة من الكتب الفكرية والثقافية، إلى جانب تنظيم مسابقات وأسئلة ثقافية، وتقديم إجابات معرفية هادفة تسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى الزائرين، في إطار رسالة القسم الرامية إلى خدمة الشعائر الحسينية ونشر الثقافة القرآنية والمعارف الإسلامية، وتعزيز حضور الرسالة الحسينية في المجتمع، فضلاً عن تضمنها زوايا خاصة لعرض وصايا وتوجيهات المرجعية الدينية العليا للشباب، وبيان إرشاداتها في زمن الغيبة، بما يسهم في ترسيخ المفاهيم الإسلامية الأصيلة وتعزيز الهوية الدينية.
كما سعى القسم الى تغطية المفاهيم الفكرية من خلال إقامة البرامج الهادفة الى نشر الثقافة القرآنية والحسينية وتعزيز الوعي الديني والفكري في أوساط المجتمع والسعي الى ترسيخ المبادئ السامية للنهضة الحسينية من خلال إطلاق برنامج (في رحاب الثقلين).
ويتضمن البرنامج محاضرة ثقافية ودينية تتناول محاور مستوحاة من القرآن الكريم ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهمية التمسك بالثقلين في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.
فيما تضمنت الفعاليات العاشورائية التي ينظمها مجمع سيد الماء التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة ؛افتتاح معرضٍ للكتاب في بابل.
إذ ضم المعرض عددًا من الإصدارات الفكرية والدينية التي تجسد رسالة العتبة المقدسة في نشر المعرفة وترسيخ الثقافة الإسلامية الأصيلة، وحمل في طياته كثيراً من العنوانات التي تسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى مختلف شرائح المجتمع، فضلاً عن تنظيم مسابقة ثقافية عاشورائية للحاضرين، وتناول محاور مرتبطة بسيرة الإمام الحسين (عليه السلام)
وضمن سلسلة البرامج الميدانية التي ينفذها القسم وعبر أنشطته الفكرية والتثقيفية، اقام محطات ثقافية للمشاركين في المجالس الحسينية بذي قار.
وتتضمن سلسلة البرامج عرضًا لإصدارات العتبة العباسية المقدسة من الكتب الفكرية والثقافية، إلى جانب تنظيم مسابقات وأسئلة ثقافية وتقديم مضامين معرفية هادفة تسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى الزائرين.
ومن خلال برنامج (بيوت النعيم) الذي إقامة قسم الشؤون الفكرية في قضاء الجدول الغربي بمحافظة كربلاء المقدسةوأشرف على تنظيمه مجمع سيد الماء التربوي والثقافي التابع للقسم، سلط الضوء على مشروع (أجر الرسالة)، وبيان أهدافه وآلية الاشتراك في منصاته، بما يسهم في تعزيز التواصل المجتمعي ونشر الوعي الديني والثقافي، فضلاً عن إقامة المجالس الحسينية واستذكار السيرة العطرة الائمة اعل البيت (عليهم السلام) في البيوت والحسينيات التابعة للمنطقة.

مجلس استبدال راية القبة المباركة
أقامت العتبة المقدسة مجلس عزاء حسيني خلال مراسم استبدال الراية الحمراء لقبة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) بالراية السوداء إيذانًا بحلول شهر المحرم الحرام.
وتضمن المجلس كلمات استذكرت واقعة الطف وتضحيات الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، ليشكل هذا الحدث إعلانًا رسميًّا لانطلاق موسم العزاء الحسيني في كربلاء المقدسة.

تنظيم حركة المواكب العزائية
شهدت مدينة كربلاء المقدسة توافد مواكب العزاء الكربلائية لإحياء أيام شهر المحرم الحرام، وجرى تنظيم مسيرها بالتنسيق مع قسم الشعائر والمواكب والهيآت الحسينية، الذي أعد خطة متكاملة لتنظيم حركة المواكب وتحديد مساراتها بما يضمن انسيابية حركتها وأداء الزائرين لمراسم العزاء والزيارة.

المجالس العزائية المركزية في الصحن الشريف
مثّلت المجالس المركزية التي أقامتها شعبة الخطابة للتبليغ الحسيني التابعة للعتبة المقدسة في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) أبرز فعاليات إحياء ذكرى عاشوراء، إذ استمرت طوال الأيام الأولى من شهر المحرم ضمن مشروع أم البنين (عليها السلام)وتُقام يوميًّا على مراحل زمنية (صباحًا وظهرًا ومساءً)، وتستمر لعشرة أيام، ضمن برنامجها لشهر المحرّم الحرام.
وتضمنت محاضرات دينية تناولت النهضة الحسينية وأبعادها الإصلاحية والإنسانية، فضلًا عن قصائد الرثاء والمراثي التي استذكرت مصاب الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام).
كما خصص المجلس في اليوم السابع من المحرم لاستذكار سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وتسليط الضوء على مواقفه الخالدة في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وما جسده من قيم الوفاء والإيثار والتضحية.

المجالس العزائية النسوية
ضمن مشروع الموعظة الحسنة أطلقت شعبة الخطابة الحسينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة برنامجها السنوي للمجالس العزائية، الذي يستمر حتى السابع عشر من شهر المحرم الحرام.
وتضمن البرنامج تلاوة القرآن الكريم وقراءة زيارة عاشوراء فضلاً عن المحاضرات الدينية والعروض المسرحية الهادفة وقصائد الرثاء، إلى جانب إقامة المجالس في أكثر من ستة وعشرين موقعًا، بما أسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى النساء.
كما اختتمت الشعبة أعمال الفصل الأول من رابطة خطيبات المنبر الحسيني بمشاركة (185) خطيبة من محافظات عدة، من اجل تعزيز دور الخطاب النسوي في نشر الثقافة الدينية.

المجالس الحسينية في القارة الإفريقية
وسعت العتبة العباسية المقدسة حضورها التبليغي لتصل الى القارة السمراء وعبر مركز الدراسات الإفريقية التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية أقامت مجالس عزائية في عدد من الدول الإفريقية منها بوروندي وتنزانيا ونيجيريا، فضلًا عن مجلس حسيني في دولة ملاوي.
وتناولت هذه المجالس أهداف النهضة الحسينية وقيمها الإصلاحية والإنسانية، وسعت إلى ترسيخ مبادئ الثورة الحسينية وتعزيز الوعي الديني بين الجاليات ومحبي أهل البيت (عليهم السلام).

المجالس القرآنية والتخصصية
أقام المجمع العلمي للقرآن الكريم التابع للعتبة المقدسة مجلسه الحسيني السنوي في النجف الأشرف، مستذكرًا سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام) ومواقفه المشرقة في نصرة الحق والدفاع عن مبادئ النهضة الحسينية، فضلاً عن تلاوة القرآن الكريم ومحاضرات دينية ومراثي حسينية جسدت معاني الوفاء والإيثار والثبات على المبادئ.

نسائم عاشوراء.. الزيارة بالإنابة
اطلقت العتبة المقدسة البرامج العبادية والخدمات الروحية في نسختها السادسة من برنامج (نسائم عاشوراء) للزيارة بالإنابة عبر شبكة الكفيل العالمية، إذ تولى مجموعة من السادة الخدم أداء زيارة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) نيابة عن المؤمنين المسجلين في البرنامج، مع قراءة زيارة عاشوراء وأداء الصلوات والدعاء لقضاء الحوائج ودفع البلاء، فضلاً عن عمل قسم الشؤون الدينية على نشر لافتات الحزن والعزاء في شوارع مدينة كربلاء المقدسة إحياءً لشهر المحرم الحرام وإظهارًا لمظاهر الحزن والمواساة بمصاب الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام).
كما أقام قسم المضيف مجلس عزائه السنوي في اليوم السابع من المحرم، استذكارًا لمواقف أبي الفضل العباس (عليه السلام) وتضحياته الخالدة في واقعة الطف.

المعرفة الحسينية جسر إلى الوعي
وفاءً لرسالة النهضة الحسينية الخالدة، التي وجدت لتكون منطلقاٍ للفكر الإلهي والرسالة المحمدية الاصيلة أطلقت العتبة العباسية المقدسة سلسلة من المبادرات التوعوية والثقافية.
وضمن برنامج تثقيفي يهدف إلى ترسيخ الوعي بقيم الثورة الحسينية ومبادئها الإنسانية والإصلاحية وعبر قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية تم توزيع توزيع مطبوعات ورقية متخصصة تتناول أبعاد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، على عدد من المواكب والهيئات الحسينية.
وتسعى هذه المبادرات إلى مد جسور المعرفة مع مختلف فئات المجتمع، من اجل تبيان أهداف النهضة الحسينية ودروسها الخالدة، وتعزيز الارتباط بسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وما تمثله من قيم التضحية والإصلاح والكرامة.
وتتضمن المطبوعات مواد ثقافية ومعرفية تسلط الضوء على الأبعاد الفكرية والتربوية للنهضة الحسينية، بما يثري الخطاب الثقافي الذي تقدمه المواكب والهيئات الحسينية خلال أيام شهر المحرم الحرام.

عاشوراء.. مدرسةُ للقيم والمبادئ السامية
لم تكن البرامج الثقافية والمجالس الحسينية التي أُقيمت خلال الأيام التسعة من شهر محرم الحرام مجرد شعائر وممارسات موسمية عابرة، بل شكّلت مشروعًا فكريًا وتربويًا متكاملًا أسهم في ترسيخ استقامة الفكر المجتمعي، وتعزيز الوعي الديني، ورفض الظلم والتمسك بقيم الحق والعدل التي جسدتها النهضة الحسينية الخالدة.
كما عملت هذه البرامج على غرس قيم التضحية والإيثار والوفاء والإصلاح المستلهمة من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأسهمت في تنمية روح الخدمة والعمل التطوعي لدى الناشئة من خلال فعاليات المواكب الثقافية ومشاركتهم الفاعلة في خدمة الزائرين، بما يعزز لديهم الشعور بالمسؤولية والانتماء الديني لمدرسة اهل البيت (عليهم السلام)
شكلت فعاليات العتبة العباسية المقدسة خلال الايام التسعة الأولى من شهر المحرم الحرام منظومة متكاملة جمعت بين إحياء الشعائر الدينية، ونشر الثقافة والمعرفة، وتعزيز الوعي المجتمعي والتربوي، لتجسد رسالة النهضة الحسينية الخالدة بوصفها مدرسة للإصلاح والبناء الإنساني والقيمي عبر الأجيال.

خلاصة القول
تبرز الجهود التي تبذلها العتبة العباسية المقدسة في إحياء الأيام التسعة الاولى شهر محرم الحرام بوصفها مشروعًا حضاريًا متجددًا لا يقتصر أثره على حدود المناسبة الزمنية، بل يمتد ليؤسس لوعيٍ راسخٍ يستلهم من النهضة الحسينية قيم الإصلاح والبناء والالتزام بالمبادئ الإنسانية الأصيلة.
وان لهذه البرامج والمبادرات الأثر الفاعل في صناعة جيل أكثر وعيًا برسالته الدينية والاجتماعية، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، من خلال ترسيخ ثقافة الانتماء الواعي لأهل البيت (عليهم السلام) وتعزيز قيم المسؤولية والتكافل والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.
كما أن استمرار تطوير المجالس الحسينية والبرامج الثقافية والتوعوية، وتوسيع نطاقها محليًا ودوليًا، من شأنه أن يعزز حضور الرسالة الحسينية عالميًا، ويجعل منها منصة فاعلة لنشر قيم العدالة والكرامة والإصلاح التي نادى بها الإمام الحسين (عليه السلام)، بما يسهم في بناء مجتمع متماسك يحافظ على هويته الدينية والثقافية، ويستمد من عاشوراء طاقة متجددة للعطاء والإصلاح وصناعة المستقبل.
وهكذا تواصل العتبة العباسية المقدسة أداء رسالتها في الجمع بين إحياء الشعائر وترسيخ المعرفة، لتبقى النهضة الحسينية مدرسةً متجددةً للأجيال، وجسرًا ممتدًا بين أصالة الماضي وآفاق المستقبل، ومنارةً تهدي الإنسان نحو الوعي والإيمان والإصلاح.
ومع حلول شهر احزان اهل البيت (عليهم السلام) قدمت العتبة العباسية المقدسة عبر مجموعة من أقسامها ومؤسساتها المختلفة عدداً من الأنشطة الدينيةوالثقافية في كربلاء المقدسة وعدد من المحافظات العراقية، بهدف إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وترسيخ القيم الإيمانية والإنسانية التي جسدتها الواقعة الاليمة.
وتنوعت الأنشطة التي اقيمت بين المواكب الثقافية، والبرامج القرآنية، والمبادرات التربوية والتوعوية، في إطار سعي العتبة المقدسة إلى إبراز الأبعاد الإنسانية والإصلاحية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، ونشر قيم الأخلاق والوعي والمسؤولية، بما يسهم في بناء مجتمع متمسك بمبادئه الدينية والإنسانية.
اقتباس
يؤكد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة العلامة السيّد أحمد الصافي، على بذل الجهود لخدمة زائري المراقد المقدّسة، والعمل على إيصال المفاهيم الإسلامية إليهم، جاء ذلك خلال لقائه وفد مبلغي العتبتين المقدّستين الحسينيّة والعبّاسية، وفضلاء الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
وقال السيد الصافي،"إن زوار العتبات المقدّسة أحوج ما يكونون لحضراتكم كمبلّغين، وهذه الحاجة لا تخلو من أمرَين، إمّا السؤال المباشر عن مسألة شرعية، أو الاسترشاد عن قضية اجتماعية، لكونهم ينظرون إليكم نظرة الموجِّه الناصح.
وأضاف، "لا يخفى عليكم وأنتم أهل الاختصاص أن السائل قد يأتيكم شاكياً ذنبه، وقد يكون مرتكباً لأبشع الذنوب، مثل هذا أحوج ما يكون منكم إلى إرشاده لباب رحمة الله تعالى، فباب التوبة مفتوح، شريطة أن يتحمّل المذنب جريرة ما فعل، دون سدّ الباب بوجهه، وأنتم إن شاء الله عاملون بذلك.
وشدّد سماحته، على أمرَين أوّلهما: أهمّية إيصال المفاهيم الإسلامية على نحوٍ مُبسط للناس، والآخر يتمثّل بعكس الصورة الناصعة للفضلاء وطلبة الحوزة العلمية، من خلال إظهار السلوك الذي يخلق الثقة أمام الزائرين الكرام، متأسّين بسيرة النبي الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله)، والعترة الطاهرة (عليهم السلام) بالسير على نهجهم المبارك.
كما أكد سماحته، على ضرورة توحيد مواكب العزاء الحسينية بما يمثل ثقافة كل مدينة وتراثها الحسيني الأصيل، وفقًا للمتوارث من الشعائر الحسينية من السلف الصالح في العراق، بكونه بلد العزاء.
وحثّ السيد الصافي على استمرار إقامة الشعائر الحسينية لإحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصًا العزائية منها، والتركيز على التراث العزائي الأصيل في القصائد الحسينية على وفق مباني الأدب العراقي.
الخدمات الدينية وإحياء الشعائر الحسينية
عبر حزمة واسعة من البرامج الدينية والعبادية والمجالس التبليغية التي استهدفت مختلف شرائح المجتمع داخل العراق وخارجه، حرصت العتبة العباسية المقدسة خلال الأيام التسعة الأولى من شهر المحرم الحرام لعام 1448هـ على إحياء الشعائر الحسينية وترسيخ القيم الإيمانية والإنسانية التي جسدتها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)،
وشملت هذه البرامج إقامة المجالس العزائية المركزية، والمحافل القرآنية، والأنشطة التبليغية، والبرامج العبادية التي وفرت أجواءً إيمانية أسهمت في تعميق الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) واستذكار تضحياتهم الخالدة.
البرامج الثقافية.. تنوع فكري ورسالة هادفة
أطلق قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة فعاليات عده تعمق من خلالها الوعي المجتمعي وترسخ المبادئ الفكرية والثقافية ومنها (الخيمة الثقافية) في محافظة ذي قار، وافتتحت بالتعاون بين مركز ملتقى القمر الثقافي – فرع شمال ذي قار، ومعهد القرآن الكريم في ذي قار أحد تشكيلات المجمع العلمي للقرآن الكريم في العتبة المقدسة.
وتضمنت فعاليات الخيمة عرضًا لإصدارات العتبة المقدسة من الكتب الفكرية والثقافية، إلى جانب تنظيم مسابقات وأسئلة ثقافية، وتقديم إجابات معرفية هادفة تسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى الزائرين، في إطار رسالة القسم الرامية إلى خدمة الشعائر الحسينية ونشر الثقافة القرآنية والمعارف الإسلامية، وتعزيز حضور الرسالة الحسينية في المجتمع، فضلاً عن تضمنها زوايا خاصة لعرض وصايا وتوجيهات المرجعية الدينية العليا للشباب، وبيان إرشاداتها في زمن الغيبة، بما يسهم في ترسيخ المفاهيم الإسلامية الأصيلة وتعزيز الهوية الدينية.
كما سعى القسم الى تغطية المفاهيم الفكرية من خلال إقامة البرامج الهادفة الى نشر الثقافة القرآنية والحسينية وتعزيز الوعي الديني والفكري في أوساط المجتمع والسعي الى ترسيخ المبادئ السامية للنهضة الحسينية من خلال إطلاق برنامج (في رحاب الثقلين).
ويتضمن البرنامج محاضرة ثقافية ودينية تتناول محاور مستوحاة من القرآن الكريم ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهمية التمسك بالثقلين في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.
فيما تضمنت الفعاليات العاشورائية التي ينظمها مجمع سيد الماء التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة ؛افتتاح معرضٍ للكتاب في بابل.
إذ ضم المعرض عددًا من الإصدارات الفكرية والدينية التي تجسد رسالة العتبة المقدسة في نشر المعرفة وترسيخ الثقافة الإسلامية الأصيلة، وحمل في طياته كثيراً من العنوانات التي تسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى مختلف شرائح المجتمع، فضلاً عن تنظيم مسابقة ثقافية عاشورائية للحاضرين، وتناول محاور مرتبطة بسيرة الإمام الحسين (عليه السلام)
وضمن سلسلة البرامج الميدانية التي ينفذها القسم وعبر أنشطته الفكرية والتثقيفية، اقام محطات ثقافية للمشاركين في المجالس الحسينية بذي قار.
وتتضمن سلسلة البرامج عرضًا لإصدارات العتبة العباسية المقدسة من الكتب الفكرية والثقافية، إلى جانب تنظيم مسابقات وأسئلة ثقافية وتقديم مضامين معرفية هادفة تسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى الزائرين.
ومن خلال برنامج (بيوت النعيم) الذي إقامة قسم الشؤون الفكرية في قضاء الجدول الغربي بمحافظة كربلاء المقدسةوأشرف على تنظيمه مجمع سيد الماء التربوي والثقافي التابع للقسم، سلط الضوء على مشروع (أجر الرسالة)، وبيان أهدافه وآلية الاشتراك في منصاته، بما يسهم في تعزيز التواصل المجتمعي ونشر الوعي الديني والثقافي، فضلاً عن إقامة المجالس الحسينية واستذكار السيرة العطرة الائمة اعل البيت (عليهم السلام) في البيوت والحسينيات التابعة للمنطقة.
مجلس استبدال راية القبة المباركة
أقامت العتبة المقدسة مجلس عزاء حسيني خلال مراسم استبدال الراية الحمراء لقبة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) بالراية السوداء إيذانًا بحلول شهر المحرم الحرام.
وتضمن المجلس كلمات استذكرت واقعة الطف وتضحيات الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، ليشكل هذا الحدث إعلانًا رسميًّا لانطلاق موسم العزاء الحسيني في كربلاء المقدسة.
تنظيم حركة المواكب العزائية
شهدت مدينة كربلاء المقدسة توافد مواكب العزاء الكربلائية لإحياء أيام شهر المحرم الحرام، وجرى تنظيم مسيرها بالتنسيق مع قسم الشعائر والمواكب والهيآت الحسينية، الذي أعد خطة متكاملة لتنظيم حركة المواكب وتحديد مساراتها بما يضمن انسيابية حركتها وأداء الزائرين لمراسم العزاء والزيارة.
المجالس العزائية المركزية في الصحن الشريف
مثّلت المجالس المركزية التي أقامتها شعبة الخطابة للتبليغ الحسيني التابعة للعتبة المقدسة في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) أبرز فعاليات إحياء ذكرى عاشوراء، إذ استمرت طوال الأيام الأولى من شهر المحرم ضمن مشروع أم البنين (عليها السلام)وتُقام يوميًّا على مراحل زمنية (صباحًا وظهرًا ومساءً)، وتستمر لعشرة أيام، ضمن برنامجها لشهر المحرّم الحرام.
وتضمنت محاضرات دينية تناولت النهضة الحسينية وأبعادها الإصلاحية والإنسانية، فضلًا عن قصائد الرثاء والمراثي التي استذكرت مصاب الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام).
كما خصص المجلس في اليوم السابع من المحرم لاستذكار سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وتسليط الضوء على مواقفه الخالدة في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وما جسده من قيم الوفاء والإيثار والتضحية.
المجالس العزائية النسوية
ضمن مشروع الموعظة الحسنة أطلقت شعبة الخطابة الحسينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة برنامجها السنوي للمجالس العزائية، الذي يستمر حتى السابع عشر من شهر المحرم الحرام.
وتضمن البرنامج تلاوة القرآن الكريم وقراءة زيارة عاشوراء فضلاً عن المحاضرات الدينية والعروض المسرحية الهادفة وقصائد الرثاء، إلى جانب إقامة المجالس في أكثر من ستة وعشرين موقعًا، بما أسهم في تعزيز الوعي الديني والثقافي لدى النساء.
كما اختتمت الشعبة أعمال الفصل الأول من رابطة خطيبات المنبر الحسيني بمشاركة (185) خطيبة من محافظات عدة، من اجل تعزيز دور الخطاب النسوي في نشر الثقافة الدينية.
المجالس الحسينية في القارة الإفريقية
وسعت العتبة العباسية المقدسة حضورها التبليغي لتصل الى القارة السمراء وعبر مركز الدراسات الإفريقية التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية أقامت مجالس عزائية في عدد من الدول الإفريقية منها بوروندي وتنزانيا ونيجيريا، فضلًا عن مجلس حسيني في دولة ملاوي.
وتناولت هذه المجالس أهداف النهضة الحسينية وقيمها الإصلاحية والإنسانية، وسعت إلى ترسيخ مبادئ الثورة الحسينية وتعزيز الوعي الديني بين الجاليات ومحبي أهل البيت (عليهم السلام).
المجالس القرآنية والتخصصية
أقام المجمع العلمي للقرآن الكريم التابع للعتبة المقدسة مجلسه الحسيني السنوي في النجف الأشرف، مستذكرًا سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام) ومواقفه المشرقة في نصرة الحق والدفاع عن مبادئ النهضة الحسينية، فضلاً عن تلاوة القرآن الكريم ومحاضرات دينية ومراثي حسينية جسدت معاني الوفاء والإيثار والثبات على المبادئ.
نسائم عاشوراء.. الزيارة بالإنابة
اطلقت العتبة المقدسة البرامج العبادية والخدمات الروحية في نسختها السادسة من برنامج (نسائم عاشوراء) للزيارة بالإنابة عبر شبكة الكفيل العالمية، إذ تولى مجموعة من السادة الخدم أداء زيارة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) نيابة عن المؤمنين المسجلين في البرنامج، مع قراءة زيارة عاشوراء وأداء الصلوات والدعاء لقضاء الحوائج ودفع البلاء، فضلاً عن عمل قسم الشؤون الدينية على نشر لافتات الحزن والعزاء في شوارع مدينة كربلاء المقدسة إحياءً لشهر المحرم الحرام وإظهارًا لمظاهر الحزن والمواساة بمصاب الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام).
كما أقام قسم المضيف مجلس عزائه السنوي في اليوم السابع من المحرم، استذكارًا لمواقف أبي الفضل العباس (عليه السلام) وتضحياته الخالدة في واقعة الطف.
المعرفة الحسينية جسر إلى الوعي
وفاءً لرسالة النهضة الحسينية الخالدة، التي وجدت لتكون منطلقاٍ للفكر الإلهي والرسالة المحمدية الاصيلة أطلقت العتبة العباسية المقدسة سلسلة من المبادرات التوعوية والثقافية.
وضمن برنامج تثقيفي يهدف إلى ترسيخ الوعي بقيم الثورة الحسينية ومبادئها الإنسانية والإصلاحية وعبر قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية تم توزيع توزيع مطبوعات ورقية متخصصة تتناول أبعاد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، على عدد من المواكب والهيئات الحسينية.
وتسعى هذه المبادرات إلى مد جسور المعرفة مع مختلف فئات المجتمع، من اجل تبيان أهداف النهضة الحسينية ودروسها الخالدة، وتعزيز الارتباط بسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وما تمثله من قيم التضحية والإصلاح والكرامة.
وتتضمن المطبوعات مواد ثقافية ومعرفية تسلط الضوء على الأبعاد الفكرية والتربوية للنهضة الحسينية، بما يثري الخطاب الثقافي الذي تقدمه المواكب والهيئات الحسينية خلال أيام شهر المحرم الحرام.
عاشوراء.. مدرسةُ للقيم والمبادئ السامية
لم تكن البرامج الثقافية والمجالس الحسينية التي أُقيمت خلال الأيام التسعة من شهر محرم الحرام مجرد شعائر وممارسات موسمية عابرة، بل شكّلت مشروعًا فكريًا وتربويًا متكاملًا أسهم في ترسيخ استقامة الفكر المجتمعي، وتعزيز الوعي الديني، ورفض الظلم والتمسك بقيم الحق والعدل التي جسدتها النهضة الحسينية الخالدة.
كما عملت هذه البرامج على غرس قيم التضحية والإيثار والوفاء والإصلاح المستلهمة من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأسهمت في تنمية روح الخدمة والعمل التطوعي لدى الناشئة من خلال فعاليات المواكب الثقافية ومشاركتهم الفاعلة في خدمة الزائرين، بما يعزز لديهم الشعور بالمسؤولية والانتماء الديني لمدرسة اهل البيت (عليهم السلام)
شكلت فعاليات العتبة العباسية المقدسة خلال الايام التسعة الأولى من شهر المحرم الحرام منظومة متكاملة جمعت بين إحياء الشعائر الدينية، ونشر الثقافة والمعرفة، وتعزيز الوعي المجتمعي والتربوي، لتجسد رسالة النهضة الحسينية الخالدة بوصفها مدرسة للإصلاح والبناء الإنساني والقيمي عبر الأجيال.
خلاصة القول
تبرز الجهود التي تبذلها العتبة العباسية المقدسة في إحياء الأيام التسعة الاولى شهر محرم الحرام بوصفها مشروعًا حضاريًا متجددًا لا يقتصر أثره على حدود المناسبة الزمنية، بل يمتد ليؤسس لوعيٍ راسخٍ يستلهم من النهضة الحسينية قيم الإصلاح والبناء والالتزام بالمبادئ الإنسانية الأصيلة.
وان لهذه البرامج والمبادرات الأثر الفاعل في صناعة جيل أكثر وعيًا برسالته الدينية والاجتماعية، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، من خلال ترسيخ ثقافة الانتماء الواعي لأهل البيت (عليهم السلام) وتعزيز قيم المسؤولية والتكافل والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.
كما أن استمرار تطوير المجالس الحسينية والبرامج الثقافية والتوعوية، وتوسيع نطاقها محليًا ودوليًا، من شأنه أن يعزز حضور الرسالة الحسينية عالميًا، ويجعل منها منصة فاعلة لنشر قيم العدالة والكرامة والإصلاح التي نادى بها الإمام الحسين (عليه السلام)، بما يسهم في بناء مجتمع متماسك يحافظ على هويته الدينية والثقافية، ويستمد من عاشوراء طاقة متجددة للعطاء والإصلاح وصناعة المستقبل.
وهكذا تواصل العتبة العباسية المقدسة أداء رسالتها في الجمع بين إحياء الشعائر وترسيخ المعرفة، لتبقى النهضة الحسينية مدرسةً متجددةً للأجيال، وجسرًا ممتدًا بين أصالة الماضي وآفاق المستقبل، ومنارةً تهدي الإنسان نحو الوعي والإيمان والإصلاح.
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد
تعليقات القراء