قوافي الجودِ وقوافٍ أُخَرُ: كيف أعادت العتبة العباسية الحياة لعرش القصيدة العمودية؟
في وقتٍ راهن فيه الكثيرون على انحسار الأدب الكلاسيكي أمام موجات الحداثة، برزت العتبة العباسية المقدسة بوصفها حاضنة استراتيجية أعادت للقصيدة العمودية هيبتها ومكانتها ، محولةً إياها من قالب أدبي تقليدي إلى واجهة ثقافية عالمية نابضة بالحياة. ولم يكن هذا الإنعاش مجرد استذكار للماضي، بل كان بعثاً جديداً جعل من "عمود الشعر" لسان حال القضايا العقائدية والإنسانية الكبرى، ومنصةً دولية استقطبت كبار الشعراء من جميع بقاع المعمورة ؛ لتثبت العتبة بذلك أن الأصالة لا تقبل الانزواء حين تجد من يرعاها برؤية معاصرة تجمع بين قدسية المعنى وجزالة المبنى.

رأت العتبة العباسية المقدسة في القصيدة العمودية أكثر من مجرد "شعر"، بل وصفتها بأنها هوية ثقافية ووسيلة دفاعية، وأن القصيدة العمودية هي "ديوان العرب" والجدار الأخير لحماية اللغة العربية من الاندثار أو الضعف ، والعمود الشعري يمثل الجذور، وإحياؤه يعني ربط الأجيال الجديدة بتأريخهم الأدبي العريق ، والتصدي لـ "الابتذال" الفني ورفع الذائقة بعد انتشار نصوص تفتقر للرصانة؛ فكانت المسابقات تمثل "فلترة" لتقديم نماذج شعرية عالية المستوى ، عبر إرساء المعايير عن طريق وضع لجان تحكيم من كبار الأكاديميين يضمن فوز المستحقين لا غيرهم ؛ ممّا يعيد للهيبة الشعرية مكانتها ، واستثمارها في رسم ملامح الرسالة العقائدية والإنسانية عبر الشعر عن طريق تخليد ذكر أهل البيت (عليهم السلام) ؛ وذلك يتطلب لغة "فخمة" تليق بمقامهم، والقصيدة العمودية تمتلك تلك الجزالة والقدرة على البقاء ،فالشعر العمودي هو اللغة المشتركة التي يفهمها كل متحدث بالعربية من الخليج إلى المحيط، مما يسهل نشر الرسالة الإنسانية للعتبة ، و سعت العتبة إلى دعم "الشعراء" عبر الجوائز المالية الضخمة لتعيد للشاعر كرامته وتسمح له بالتفرغ للإبداع مع توفير منصة إعلامية (قنوات العتبة، مطبوعاتها) لجعل الشاعر العمودي يشعر أن صوته مسموع وموثق، كي يكون الواجهة المثالية للمجتمع والثقافة.

أكد سماحة المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة السيد أحمد الصافي (دام عزه)، في كلمات وتوجيهات متعددة أن رعاية هذه المسابقات ليست مجرد نشاط عابر، بل هي رسالة لإعادة الاعتبار للغة العربية والأدب الرصين ، وأن هذه المسابقات هي "رصيد أدبي ثري" سيكون مستقبلاً مرجعاً مهماً للباحثين، وهي وسيلة لتحريك الأقلام نحو "الأدب الملتزم" الذي يجمع بين جمال الفن وسمو الرسالة ، وهنا نقتبس أبرز ما قاله فيما يتعلق بالمسابقات:
" العراق بلدُ الشعر" : إن العراق يمتلك خصوصية فريدة، واصفاً إياه بأنه "بلد الشعر"، حيث أن "بعض المحافظات العراقية كلامهم الطبيعي هو الشعر"، واصفا هذه الميزة بالحضارية و يجب استثمارها في خدمة المبادئ السامية.
" الشعر كأداة للإصلاح" : إنّ الشعر رسالة وأداة فعالة في "خدمة المبادئ، ونشر الأفكار الإصلاحية"، مشدداً على أن القصيدة العمودية تحديداً أسهمت عبر التأريخ في الحفاظ على اللغة العربية من الضياع والتهجين.
دلالات "الجود" : في إحدى خطاباته بمسابقة الجود، توقف عند الاسم قائلاً: "لا نعلم هل الجود هو الوعاء الذي نقل به العباس (عليه السلام) الماء، أم هو الكرم والإيثار بالروح؟"، مبيناً أن الهدف من المسابقة هو استثارة قرائح الأدباء لصياغة "كلمات النقاء" التي ترسم عظمة الموقف التأريخي.
" المواساة": وجه دعوة خاصة للشعراء بضرورة "تضمين مفردة المواساة" في القصائد، لتكون النصوص أعمق في توصيف العلاقة بين أبي الفضل العباس وأخيه الحسين (عليهما السلام).
" جودة الإلقاء": إن قوة القصيدة تكتمل بجمال أدائها، داعياً الشعراء إلى الاهتمام بطريقة الإلقاء لكي "تضاهي قوة الشعر" ويصل إلى قلوب الجمهور بفعالية أكبر.
"بناء جيل بليغ "إن العتبة نهجت من خلال هذه النشاطات والمسابقات في "تنشئة جيل وفق الأسس البلاغية والأدبية العربية" ،لمواجهة موجات هجر اللغة العربية وضعف الذائقة العامة.

بين هيبة المآذن وأصالة الحرف، لم تعد مدينة كربلاء وجهة للزائرين فحسب، بل تحولت إلى "عاصمة للقوافي" وملاذٍ لفرسان الضاد من كل حدب وصوب.
ففي الوقت الذي يواجه فيه الأدب العربي تحديات التغريب وانحسار القوالب الكلاسيكية ،تبرز العتبة العباسية المقدسة بوصفها راعيةً أولى لـ "ديوان العرب" ، عبر تنظيم سلسلة من المسابقات الشعرية العالمية التي لم تكتفِ بمنح الجوائز، بل أعادت صياغة المشهد الثقافي برؤية تمزج بين قدسية القضية ورصانة الفن.
من "مسابقة الجود" التي باتت طموحاً لكل شاعر عمودي، وصولاً إلى المهرجانات التخصصية التي توثق ملاحم الإيثار، تضع العتبة اليوم معايير نقدية صارمة أعادت للقصيدة العمودية هيبتها ومكانتها الدولية.
مسابقة الجود العالمية للقصيدة العمودية : تُمثل "أيقونة" العتبة العباسية المقدسة في دعم الشعر العربي، وقد وصلت إلى نسختها الحادية عشرة، وتتميز باستقطاب شعراء من العراق وخارجه ، لبنان، السعودية، إيران، ودول أخرى ، وإخضاع النصوص للجان فحص متخصصة لضمان الجودة الشعرية واللغوية ،وتكريم الفائزين بجوائز مالية قيمة (تصل إلى 3 ملايين دينار عراقي للمركز الأول)، مما يحفز الشعراء على الإبداع.
ولم تكتفِ العتبة بمسابقة واحدة، بل أطلقت عدة منصات للقصيدة العمودية من ضمن مناسبات دينية وثقافية:
مسابقة أم البركات" مخصصة للقصيدة العمودية حول السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، ومهرجان فتوى الدفاع المقدس: إذ يخصص هذا المهرجان مسابقة دورية للقصيدة العمودية لتوثيق البطولات بأسلوب أدبي رصين ، ومسابقة الصديق الأكبر : مسابقة خاصة بالأعمال الأدبية والشعرية حول الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ومسابقة مراقي المجتبى (عليه السلام) العالمية للقصيدة العمودية التي تتعلق بالسيرة المباركة للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوساطة الأدب العربي الفصيح

أعادت العتبة العباسية المقدسة الحياة لعرش القصيدة العمودية عن طريق استراتيجية "الإحياء النوعي"، حيث لم تكتفِ بالحفاظ على الهيكل القديم، بل ضخت فيه دماءً عصرية جعلته يواجه الحداثة بندية عبر كسر القالب النمطي والتحديث من الداخل) بوساطة تشجيع "الصورة" لا "السرد" فحوّلت القصيدة من مجرد تأريخ شعري إلى فلسفة بصرية عميقة ، كما عملت على أنسنة النصبالتركيز على الأبعاد النفسية والإنسانية في القصيدة العمودية ؛ ممّا جعلها قريبة من ذائقة المتلقي الحديث مع مأسسة الأدب من الفردية إلى التنظيم فجعلت الفوز في مسابقاتها يمثّل "صك اعتراف" دولي بجودة الشاعر؛ ممّا رفع سقف المنافسة ، فيما اجتهدت كثيراً في خلق "المركز" بعد أن كان الشعر العمودي مشتتاً ؛ فجعلت من كربلاء بوصلة أدبية يقصدها الشعراء من كل القارات ، ونجحت في حماية الهوية اللغوية والتصدي للركاكة ووقفت كمصد ثقافي ضد النصوص الضحلة التي تدعي الحداثة وهي تفتقر للأصل، متمسكة بـ "موازين الخليل" مع مرونة المعنى ، فهي لم تضع القصيدة العمودية في متحف، بل وضعتها على منصة التحدي، وأثبتت أن الوزن والقافية قادران على حمل أحدث الأفكار الإنسانية وأعقدها.

مثلت هذه المسابقات "المختبر" الذي صقل مواهب الشباب، وتجلّى ذلك في تحفيز الإبداع الملتزم ودفعت الشباب لإعادة صياغة الموروث التأريخي (مثل واقعة الطف) بمنظور إنساني جديد بعيداً عن السرد التقليدي ، وخلق روح التنافس بوجود جوائز مادية ومعنوية جعلت الشاب يسعون إلى تطوير أدواتهم اللغوية والعروضية لضمان مكانة لهم بين الكبار ، وأسهمت في بناء الرأي العام وساعدت الشباب على الإدراك بأن الشعر وسيلة تأثيرية قادرة على تعديل الاتجاهات الفكرية ومواجهة التحديات الثقافية ، ووفرت الاحتكاك الدولي للشعراء الشباب العراقيين وسمحت لهم بالتواصل المباشر مع مدارس شعرية من دول أخرى؛ ممّا أغنى تجاربهم.

أولت العتبة العباسية المقدسة أهمية قصوى لتوثيق النتاج الشعري، لضمان عدم ضياع الجهود الإبداعية وتحويلها إلى مرجع للأجيال القادمة ؛ ومن هذه الإصدارات :
سلسلة "ديوان الجود" وهي السلسلة الأبرز، التي تصدر على نحو دوري يصدر عن قسم الشؤون الفكرية والثقافية ، تضم القصائد العشر الفائزة في كل نسخة من "مسابقة الجود العالمية" ولم تكتفٍ بنشر القصائد، بل ترافق معها السير الذاتية للشعراء وتقارير لجان التحكيم ، وصدرت عدة أجزاء منه تغطي الدورات السابقة للمسابقة، وتمثّل اليوم مرجعاً لدارسي الأدب العمودي المعاصر.
كتاب "صدى الجود"ويركّز في الجانب التحليلي، إذ يجمع القراءات النقدية التي كُتبت حول القصائد المشاركة ويساعد الباحثين في معرفة التطور الفني للقصيدة العمودية عن طريق آراء النقاد المتخصصين.
وديوان مسابقة أم البركات الذي يجمع القصائد التي قيلت في حق السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وموسوعة فتوى الدفاع المقدس إذ تتضمن مجلدات خاصة بالشعر، توثق القصائد العمودية التي كتبت عن تضحيات العراقيين.
ومجموعة قصائد "شبيه المصطفى" وهو إصدار حديث يجمع المشاركات الخاصة بمسابقة حق الأكبر (عليه السلام).
وكتاب الصديق الأكبر ويجمع المشاركات الفائزة في مسابقة الصديق الأكبر .

أجمع كثيرٌ من النقاد والأكاديميين على أن العتبة العباسية المقدسة نجحت في إعادة "المركزية" للقصيدة العمودية ونقلت الشعر من كونه "مصفوفات لفظية" إلى وثيقة معرفية تؤرخ للقيم الإنسانية.
و أشاد النقاد بصرامة لجان التحكيم التي تضم أساتذة أكاديميين؛ ممّا منع تسلل النصوص الضعيفة وحافظ على هيبة الوزن والقافية ،وأنعشت النقد التطبيقي في (رسائل الماجستير) التي درست "قصائد الجود" وأثبتت أن هذه المسابقات خلقت مادة خصبة لتحليل الصورة الشعرية والبنية البلاغية الحديثة .
وتوالت الإشادات من شخصيات أدبية وأكاديمية بارزة، محلياً وعربياً، وصفت هذه المبادرات بأنها "قبلة الحياة" للشعر الرصين.
د. مشتاق العلي عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ورئيس المجمع العلمي للقرآن الكريم،أكد أن مسابقات العتبة نقلت القصيدة من "الاستهلاك العاطفي" إلى "الاستحقاق الفني"، وأصبحت معياراً لقياس جودة الشعر العمودي في الوطن العربي.
فيما نقاد عرب (من مصر ولبنان)أشادوا بقدرة العتبة على جمع شعراء من مذاهب وجنسيات مختلفة تحت مظلة "الإبداع الإنساني"، بعيداً عن التحيزات الضيقة.
اتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء أشاد بما سمّاه "بيئة ديمقراطية" للنقد وفرتها العتبة ، إذ تُحجب الأسماء عن الحكام لضمان العدالة المطلقة.
ووصف شعراء من السعودية والبحرين مسابقة الجود بأنها "سوق عكاظ الحديث"، لما تمثله من هيبة وتنافس شريف.
الشاعر حيدر العبد الله (أمير الشعراء)،وغيره من الأسماء اللامعة أشاروا إلى أن الوقوف على منصة العتبة العباسية يُمثل "شهادة ميلاد ثانية" للشاعر لمدى دقة الاختيار وصعوبة المنافسة.
الصحافة العربية من جهتها (مثل جريدة الأهرام أو وكالات أنباء دولية) وصفت المهرجانات بأنها "تظاهرة ثقافية" تعيد للعراق دوره الريادي في قيادة القافلة الأدبية العربية.
وأشادت مؤسسات فنية بقدرة العتبة على "عصرنة الموروث"، أي جعل القصيدة العمودية القديمة مواكبة لقضايا العصر (مثل مكافحة الإرهاب، القيم الإنسانية، والتعايش).

إن المسابقات الشعرية التي ترعاها العتبة العباسية المقدسة ليست مجرد أحداث موسمية تنتهي بتوزيع الجوائز، بل هي مشروع استراتيجي يسعى إلى ترميم الذائقة العربية وتحصينها.
ونجحت العتبة في تحويل "القصيدة العمودية" من قالب تراثي إلى لغة حية قادرة على محاكاة قضايا العصر.
إن هذا الحراك الأدبي المستمر يمثّل رسالة واضحة مفادها: إنَّ حرف الضاد سيظل عصياً على الانكسار ما دامت هناك مؤسسات تؤمن بأنَّ الكلمة هي البداية، وأنَّ الشعر هو الحارس الأمين لذاكرة الأمة وقيمها.
ومع كل دورة جديدة، تفتح كربلاء ذراعيها للمبدعين، لتؤكد أنَّ "جود" القوافي لا ينضب، وأنَّ عرش القصيدة سيبقى محجوزاً لمن يتقن فن الجمع بين الأصالة والخلود.
- الشعر بمواجهة الابتذال
رأت العتبة العباسية المقدسة في القصيدة العمودية أكثر من مجرد "شعر"، بل وصفتها بأنها هوية ثقافية ووسيلة دفاعية، وأن القصيدة العمودية هي "ديوان العرب" والجدار الأخير لحماية اللغة العربية من الاندثار أو الضعف ، والعمود الشعري يمثل الجذور، وإحياؤه يعني ربط الأجيال الجديدة بتأريخهم الأدبي العريق ، والتصدي لـ "الابتذال" الفني ورفع الذائقة بعد انتشار نصوص تفتقر للرصانة؛ فكانت المسابقات تمثل "فلترة" لتقديم نماذج شعرية عالية المستوى ، عبر إرساء المعايير عن طريق وضع لجان تحكيم من كبار الأكاديميين يضمن فوز المستحقين لا غيرهم ؛ ممّا يعيد للهيبة الشعرية مكانتها ، واستثمارها في رسم ملامح الرسالة العقائدية والإنسانية عبر الشعر عن طريق تخليد ذكر أهل البيت (عليهم السلام) ؛ وذلك يتطلب لغة "فخمة" تليق بمقامهم، والقصيدة العمودية تمتلك تلك الجزالة والقدرة على البقاء ،فالشعر العمودي هو اللغة المشتركة التي يفهمها كل متحدث بالعربية من الخليج إلى المحيط، مما يسهل نشر الرسالة الإنسانية للعتبة ، و سعت العتبة إلى دعم "الشعراء" عبر الجوائز المالية الضخمة لتعيد للشاعر كرامته وتسمح له بالتفرغ للإبداع مع توفير منصة إعلامية (قنوات العتبة، مطبوعاتها) لجعل الشاعر العمودي يشعر أن صوته مسموع وموثق، كي يكون الواجهة المثالية للمجتمع والثقافة.
- اقتباس
أكد سماحة المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة السيد أحمد الصافي (دام عزه)، في كلمات وتوجيهات متعددة أن رعاية هذه المسابقات ليست مجرد نشاط عابر، بل هي رسالة لإعادة الاعتبار للغة العربية والأدب الرصين ، وأن هذه المسابقات هي "رصيد أدبي ثري" سيكون مستقبلاً مرجعاً مهماً للباحثين، وهي وسيلة لتحريك الأقلام نحو "الأدب الملتزم" الذي يجمع بين جمال الفن وسمو الرسالة ، وهنا نقتبس أبرز ما قاله فيما يتعلق بالمسابقات:
" العراق بلدُ الشعر" : إن العراق يمتلك خصوصية فريدة، واصفاً إياه بأنه "بلد الشعر"، حيث أن "بعض المحافظات العراقية كلامهم الطبيعي هو الشعر"، واصفا هذه الميزة بالحضارية و يجب استثمارها في خدمة المبادئ السامية.
" الشعر كأداة للإصلاح" : إنّ الشعر رسالة وأداة فعالة في "خدمة المبادئ، ونشر الأفكار الإصلاحية"، مشدداً على أن القصيدة العمودية تحديداً أسهمت عبر التأريخ في الحفاظ على اللغة العربية من الضياع والتهجين.
دلالات "الجود" : في إحدى خطاباته بمسابقة الجود، توقف عند الاسم قائلاً: "لا نعلم هل الجود هو الوعاء الذي نقل به العباس (عليه السلام) الماء، أم هو الكرم والإيثار بالروح؟"، مبيناً أن الهدف من المسابقة هو استثارة قرائح الأدباء لصياغة "كلمات النقاء" التي ترسم عظمة الموقف التأريخي.
" المواساة": وجه دعوة خاصة للشعراء بضرورة "تضمين مفردة المواساة" في القصائد، لتكون النصوص أعمق في توصيف العلاقة بين أبي الفضل العباس وأخيه الحسين (عليهما السلام).
" جودة الإلقاء": إن قوة القصيدة تكتمل بجمال أدائها، داعياً الشعراء إلى الاهتمام بطريقة الإلقاء لكي "تضاهي قوة الشعر" ويصل إلى قلوب الجمهور بفعالية أكبر.
"بناء جيل بليغ "إن العتبة نهجت من خلال هذه النشاطات والمسابقات في "تنشئة جيل وفق الأسس البلاغية والأدبية العربية" ،لمواجهة موجات هجر اللغة العربية وضعف الذائقة العامة.
- عكاظ المسابقات
بين هيبة المآذن وأصالة الحرف، لم تعد مدينة كربلاء وجهة للزائرين فحسب، بل تحولت إلى "عاصمة للقوافي" وملاذٍ لفرسان الضاد من كل حدب وصوب.
ففي الوقت الذي يواجه فيه الأدب العربي تحديات التغريب وانحسار القوالب الكلاسيكية ،تبرز العتبة العباسية المقدسة بوصفها راعيةً أولى لـ "ديوان العرب" ، عبر تنظيم سلسلة من المسابقات الشعرية العالمية التي لم تكتفِ بمنح الجوائز، بل أعادت صياغة المشهد الثقافي برؤية تمزج بين قدسية القضية ورصانة الفن.
من "مسابقة الجود" التي باتت طموحاً لكل شاعر عمودي، وصولاً إلى المهرجانات التخصصية التي توثق ملاحم الإيثار، تضع العتبة اليوم معايير نقدية صارمة أعادت للقصيدة العمودية هيبتها ومكانتها الدولية.
مسابقة الجود العالمية للقصيدة العمودية : تُمثل "أيقونة" العتبة العباسية المقدسة في دعم الشعر العربي، وقد وصلت إلى نسختها الحادية عشرة، وتتميز باستقطاب شعراء من العراق وخارجه ، لبنان، السعودية، إيران، ودول أخرى ، وإخضاع النصوص للجان فحص متخصصة لضمان الجودة الشعرية واللغوية ،وتكريم الفائزين بجوائز مالية قيمة (تصل إلى 3 ملايين دينار عراقي للمركز الأول)، مما يحفز الشعراء على الإبداع.
ولم تكتفِ العتبة بمسابقة واحدة، بل أطلقت عدة منصات للقصيدة العمودية من ضمن مناسبات دينية وثقافية:
مسابقة أم البركات" مخصصة للقصيدة العمودية حول السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، ومهرجان فتوى الدفاع المقدس: إذ يخصص هذا المهرجان مسابقة دورية للقصيدة العمودية لتوثيق البطولات بأسلوب أدبي رصين ، ومسابقة الصديق الأكبر : مسابقة خاصة بالأعمال الأدبية والشعرية حول الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ومسابقة مراقي المجتبى (عليه السلام) العالمية للقصيدة العمودية التي تتعلق بالسيرة المباركة للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوساطة الأدب العربي الفصيح
- استراتيجية "الإحياء النوعي"
أعادت العتبة العباسية المقدسة الحياة لعرش القصيدة العمودية عن طريق استراتيجية "الإحياء النوعي"، حيث لم تكتفِ بالحفاظ على الهيكل القديم، بل ضخت فيه دماءً عصرية جعلته يواجه الحداثة بندية عبر كسر القالب النمطي والتحديث من الداخل) بوساطة تشجيع "الصورة" لا "السرد" فحوّلت القصيدة من مجرد تأريخ شعري إلى فلسفة بصرية عميقة ، كما عملت على أنسنة النصبالتركيز على الأبعاد النفسية والإنسانية في القصيدة العمودية ؛ ممّا جعلها قريبة من ذائقة المتلقي الحديث مع مأسسة الأدب من الفردية إلى التنظيم فجعلت الفوز في مسابقاتها يمثّل "صك اعتراف" دولي بجودة الشاعر؛ ممّا رفع سقف المنافسة ، فيما اجتهدت كثيراً في خلق "المركز" بعد أن كان الشعر العمودي مشتتاً ؛ فجعلت من كربلاء بوصلة أدبية يقصدها الشعراء من كل القارات ، ونجحت في حماية الهوية اللغوية والتصدي للركاكة ووقفت كمصد ثقافي ضد النصوص الضحلة التي تدعي الحداثة وهي تفتقر للأصل، متمسكة بـ "موازين الخليل" مع مرونة المعنى ، فهي لم تضع القصيدة العمودية في متحف، بل وضعتها على منصة التحدي، وأثبتت أن الوزن والقافية قادران على حمل أحدث الأفكار الإنسانية وأعقدها.
- مختبر الشباب
مثلت هذه المسابقات "المختبر" الذي صقل مواهب الشباب، وتجلّى ذلك في تحفيز الإبداع الملتزم ودفعت الشباب لإعادة صياغة الموروث التأريخي (مثل واقعة الطف) بمنظور إنساني جديد بعيداً عن السرد التقليدي ، وخلق روح التنافس بوجود جوائز مادية ومعنوية جعلت الشاب يسعون إلى تطوير أدواتهم اللغوية والعروضية لضمان مكانة لهم بين الكبار ، وأسهمت في بناء الرأي العام وساعدت الشباب على الإدراك بأن الشعر وسيلة تأثيرية قادرة على تعديل الاتجاهات الفكرية ومواجهة التحديات الثقافية ، ووفرت الاحتكاك الدولي للشعراء الشباب العراقيين وسمحت لهم بالتواصل المباشر مع مدارس شعرية من دول أخرى؛ ممّا أغنى تجاربهم.
- إصدارات أنعشت خزانة الشعر
أولت العتبة العباسية المقدسة أهمية قصوى لتوثيق النتاج الشعري، لضمان عدم ضياع الجهود الإبداعية وتحويلها إلى مرجع للأجيال القادمة ؛ ومن هذه الإصدارات :
سلسلة "ديوان الجود" وهي السلسلة الأبرز، التي تصدر على نحو دوري يصدر عن قسم الشؤون الفكرية والثقافية ، تضم القصائد العشر الفائزة في كل نسخة من "مسابقة الجود العالمية" ولم تكتفٍ بنشر القصائد، بل ترافق معها السير الذاتية للشعراء وتقارير لجان التحكيم ، وصدرت عدة أجزاء منه تغطي الدورات السابقة للمسابقة، وتمثّل اليوم مرجعاً لدارسي الأدب العمودي المعاصر.
كتاب "صدى الجود"ويركّز في الجانب التحليلي، إذ يجمع القراءات النقدية التي كُتبت حول القصائد المشاركة ويساعد الباحثين في معرفة التطور الفني للقصيدة العمودية عن طريق آراء النقاد المتخصصين.
وديوان مسابقة أم البركات الذي يجمع القصائد التي قيلت في حق السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وموسوعة فتوى الدفاع المقدس إذ تتضمن مجلدات خاصة بالشعر، توثق القصائد العمودية التي كتبت عن تضحيات العراقيين.
ومجموعة قصائد "شبيه المصطفى" وهو إصدار حديث يجمع المشاركات الخاصة بمسابقة حق الأكبر (عليه السلام).
وكتاب الصديق الأكبر ويجمع المشاركات الفائزة في مسابقة الصديق الأكبر .
- الإشادات " الشعر وثيقة"
أجمع كثيرٌ من النقاد والأكاديميين على أن العتبة العباسية المقدسة نجحت في إعادة "المركزية" للقصيدة العمودية ونقلت الشعر من كونه "مصفوفات لفظية" إلى وثيقة معرفية تؤرخ للقيم الإنسانية.
و أشاد النقاد بصرامة لجان التحكيم التي تضم أساتذة أكاديميين؛ ممّا منع تسلل النصوص الضعيفة وحافظ على هيبة الوزن والقافية ،وأنعشت النقد التطبيقي في (رسائل الماجستير) التي درست "قصائد الجود" وأثبتت أن هذه المسابقات خلقت مادة خصبة لتحليل الصورة الشعرية والبنية البلاغية الحديثة .
وتوالت الإشادات من شخصيات أدبية وأكاديمية بارزة، محلياً وعربياً، وصفت هذه المبادرات بأنها "قبلة الحياة" للشعر الرصين.
د. مشتاق العلي عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ورئيس المجمع العلمي للقرآن الكريم،أكد أن مسابقات العتبة نقلت القصيدة من "الاستهلاك العاطفي" إلى "الاستحقاق الفني"، وأصبحت معياراً لقياس جودة الشعر العمودي في الوطن العربي.
فيما نقاد عرب (من مصر ولبنان)أشادوا بقدرة العتبة على جمع شعراء من مذاهب وجنسيات مختلفة تحت مظلة "الإبداع الإنساني"، بعيداً عن التحيزات الضيقة.
اتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء أشاد بما سمّاه "بيئة ديمقراطية" للنقد وفرتها العتبة ، إذ تُحجب الأسماء عن الحكام لضمان العدالة المطلقة.
ووصف شعراء من السعودية والبحرين مسابقة الجود بأنها "سوق عكاظ الحديث"، لما تمثله من هيبة وتنافس شريف.
الشاعر حيدر العبد الله (أمير الشعراء)،وغيره من الأسماء اللامعة أشاروا إلى أن الوقوف على منصة العتبة العباسية يُمثل "شهادة ميلاد ثانية" للشاعر لمدى دقة الاختيار وصعوبة المنافسة.
الصحافة العربية من جهتها (مثل جريدة الأهرام أو وكالات أنباء دولية) وصفت المهرجانات بأنها "تظاهرة ثقافية" تعيد للعراق دوره الريادي في قيادة القافلة الأدبية العربية.
وأشادت مؤسسات فنية بقدرة العتبة على "عصرنة الموروث"، أي جعل القصيدة العمودية القديمة مواكبة لقضايا العصر (مثل مكافحة الإرهاب، القيم الإنسانية، والتعايش).
- خلاصة القول
إن المسابقات الشعرية التي ترعاها العتبة العباسية المقدسة ليست مجرد أحداث موسمية تنتهي بتوزيع الجوائز، بل هي مشروع استراتيجي يسعى إلى ترميم الذائقة العربية وتحصينها.
ونجحت العتبة في تحويل "القصيدة العمودية" من قالب تراثي إلى لغة حية قادرة على محاكاة قضايا العصر.
إن هذا الحراك الأدبي المستمر يمثّل رسالة واضحة مفادها: إنَّ حرف الضاد سيظل عصياً على الانكسار ما دامت هناك مؤسسات تؤمن بأنَّ الكلمة هي البداية، وأنَّ الشعر هو الحارس الأمين لذاكرة الأمة وقيمها.
ومع كل دورة جديدة، تفتح كربلاء ذراعيها للمبدعين، لتؤكد أنَّ "جود" القوافي لا ينضب، وأنَّ عرش القصيدة سيبقى محجوزاً لمن يتقن فن الجمع بين الأصالة والخلود.
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد
تعليقات القراء