alkafeelGlobal alkafeelGlobal

النمرقة الوسطى.. حين تصنع المعرفةُ طريقَ الاعتدال

النمرقة الوسطى.. حين تصنع المعرفةُ طريقَ الاعتدال
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات أكثر مما تتكاثر فيه الأفكار، وتتصارع فيه الخطابات على استقطاب العقول قبل استقطاب الجماهير، تبدو الحاجة ملحّة إلى مشاريع معرفية قادرة على إعادة التوازن إلى المشهد الثقافي والفكري. فالمجتمعات لا تُهدَّد دائمًا بالفقر أو الحروب فحسب، بل قد يكون الخطر الأكبر ذلك الذي يتسلل إلى العقول عَبرَ الأفكار المتطرّفة، أو عبر الفراغ المعرفي الذي يترك الإنسان نهبًا للغلو من جهة أو التفريط من جهة أخرى.

من هنا تكتسب مسابقة «النمرقة الوسطى» البحثية التي أطلقتها العتبة العباسية المقدسة أهميتها، ليس بوصفها فعالية أكاديمية عابرة، بل باعتبارها مشروعًا فكريًا يحمل رؤية واضحة لكيفية مواجهة الأزمات الفكرية المعاصرة. فالمسابقة لا تنطلق من رغبة في جمع البحوث أو توزيع الجوائز، بقدر ما تنطلق من سؤال جوهري: كيف يمكن للمعرفة أن تصبح خط الدفاع الأول عن المجتمع؟

إنّ اختيار عنوان «النمرقة الوسطى» لم يكن اختيارًا أدبيًّا أو تعبيرًا إنشائيًّا يزيّن واجهة مشروع ثقافي، بل هو استدعاء واعٍ لواحد من أعمق المفاهيم التي رسخها أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين قال: «نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي وإليها يرجع الغالي». وفي زمن تتجاذب فيه المجتمعات نزعات التشدد والانفلات، تبدو هذه العبارة وكأنّها كُتبت لعصرنا أكثر مما كُتبت لعصرها.

فالوسطية هنا ليست موقفًا رماديًّا بين طرفين، ولا حالة من المساومة الفكرية، بل هي منهج قائم على التوازن والبصيرة والقدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين التمسك بالأصول والانفتاح على الواقع. ولهذا فإنّ استحضار هذا المفهوم ضمن مشروع بحثي يحمل رسالة واضحة مفادها أنّ مواجهة التطرّف لا تكون بخطاب مضاد فحسب، بل بإنتاج معرفة رصينة تكشف جذور الانحراف وتقدم البدائل الفكرية القادرة على معالجته.

ولعل ما يلفت الانتباه في تجربة العتبة العباسية المقدسة أنّها لم تتعامل مع البحث العلمي بوصفه نشاطًا نخبويًّا معزولًا عن هموم المجتمع، بل سعت إلى تحويله إلى أداة فاعلة في بناء الوعي العام. فالبحث الذي يبقى حبيس الأدراج لا يغيّر واقعًا، والدراسة التي لا تمس مشكلات الإنسان المعاصر تبقى جهدًا معرفيًّا محدود الأثر مهما بلغت قيمتها الأكاديمية.

ومن هنا جاءت رؤية المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي (دام عزه)، التي تؤكّد أنّ الدفاع عن العقيدة والهوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى عمل علمي منظم، وإلى دراسات رصينة قادرة على مخاطبة العقل بلغة العصر. إنّها رؤية تدرك أنّ معارك هذا الزمن تُخاض في ميدان الفكر بقدر ما تُخاض في أي ميدان آخر، وأنّ الانتصار فيها يبدأ من بناء الإنسان الواعي القادر على التمييز والنقد والتحليل.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن تستقطب المسابقة عشرات الباحثين من داخل العراق وخارجه، وأن تستقبل عشرات البحوث التي توزعت على الدراسات القرآنية والحديثية، والدراسات الفقهية والعقائدية، وعلوم أهل البيت (عليهم السلام). فهذا الإقبال يعكس وجود حاجة حقيقية إلى منصات علمية جادة تمنح الباحثين فرصة للمشاركة في معالجة القضايا الفكرية الراهنة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والانفعالات الآنية.

والأهم من ذلك أنّ هذه المبادرات تعيد الاعتبار إلى فكرة طالما غابت عن كثير من المؤسسات الثقافية، وهي أن إنتاج المعرفة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية. فالأمم التي تستثمر في البحث العلمي لا تبني جامعات ومراكز دراسات فحسب، وإنما تبني حصونًا فكرية تحمي هويتها وتؤمن مستقبلها.

إنّ القيمة الحقيقية لمسابقة «النمرقة الوسطى» لا تُقاس بعدد البحوث المشاركة ولا بحجم الجوائز الممنوحة، وإنما بقدرتها على ترسيخ ثقافة جديدة تجعل من الاعتدال مشروعًا معرفيًّا لا مجرد شعار، ومن البحث العلمي وسيلة لإصلاح الواقع لا مجرد متطلب أكاديمي. فحين يتحول العلم إلى أداة لبناء الوعي، وتتحول المعرفة إلى جسر يصل الماضي بالحاضر، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات وأكثر مناعة أمام محاولات التشويه والتطرف.

وفي عالم يزداد اضطرابًا كل يوم، قد تكون أعظم الاستثمارات ليست تلك التي تُضخ في الحجر أو التكنولوجيا، بل تلك التي تُستثمر في العقل الإنساني. وهذا بالضبط ما تحاول العتبة العباسية المقدسة أن تفعله عَبرَ مشروع «النمرقة الوسطى»: أن تجعل من المعرفة طريقًا إلى الاعتدال، ومن البحث العلمي وسيلة لحماية الإنسان من الانجراف وراء الغلو أو التفريط، وأن تؤكّد أنّ بناء المستقبل يبدأ دائمًا ببناء الوعي.





  • الكاتب عدي المختار

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة