alkafeelGlobal alkafeelGlobal

«النمرقة الوسطى»: كيف توظّف العتبة العباسية البحث العلمي لترسيخ ثقافة الاعتدال؟

«النمرقة الوسطى»: كيف توظّف العتبة العباسية البحث العلمي لترسيخ ثقافة الاعتدال؟
تجاوزت المؤسّسات الدينية فضاء الشعائر والعبادات التقليدية، لتبتكر العتبة العباسية المقدسة رؤية معاصرة جعلت منها منارة حضارية تقود حركة الوعي والسيادة المعرفية للأمّة.

وتتجلّى هذه الريادة في جهود استثنائية تبذلها العتبة المقدسة برعاية مباشرة من متوليها الشرعي سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه) لترسيخ مفهوم الوسطية المستمد من نهج أهل البيت (عليهم السلام).

لم يقف هذا الحراك المؤسّساتي عند حدود التنظير؛ بل تجسد واقعًا عَبرَ منظومة متكاملة من المسابقات البحثية الرصينة، والمؤتمرات الدولية، والمهرجانات الثقافية؛ لتقديم الفكر العلوي بوصفه "النمرقة الوسطى" وطوق النجاة الذي يحمي المجتمع من أمواج الغلو والتفريط، ويعيد إنتاج الإرث الإسلامي برؤية تواجه التحديات الفكرية الراهنة.


اقتباس:
تستند مسابقة «النمرقة الوسطى» البحثية إلى رؤية فكرية وثقافية متكاملة يتبناها المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، الذي يؤكّد في توجيهاته على أهمية استعادة المنهج العلوي الأصيل بوصفه منهجًا للوسطية والاعتدال في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة. ومن هذا المنطلق، جاءت رعاية المسابقة ودعمها ضمن مشروع معرفي يهدف إلى ترسيخ الوعي العلمي وتعزيز الحصانة الفكرية للمجتمع.

وتنطلق هذه الرؤية من الإيمان بأنّ الساحة الفكرية تواجه تحديين متقابلين لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر؛ أولهما الغلو والمغالاة اللذان يتجاوزان حدود الاعتدال في الفهم والممارسة، وثانيهما التقصير والتفريط اللذان يؤديان إلى التهاون بالثوابت والقيم. واستلهامًا لقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي وإليها يرجع الغالي»، تسعى المسابقة إلى تقديم بحوث علمية رصينة تسهم في ترسيخ هذا النهج الوسطي وتقديمه بوصفه خيارًا معرفيًا وحضاريًا قادرًا على معالجة الانحرافات الفكرية بمختلف صورها.

كما يؤكّد سماحة السيد الصافي أنّ الدفاع عن العقيدة والهوية الإسلامية لا يتحقق بالشعارات أو الخطابات العاطفية فحسب، بل يحتاج إلى البحث العلمي الرصين والمنهجية الأكاديمية الدقيقة. ولذلك جاءت المسابقة لتشجيع الباحثين والأكاديميين وطلبة العلوم الدينية على إنتاج دراسات تخصصية تتناول القضايا الفكرية والعقدية بلغة علمية معاصرة، قادرة على مخاطبة العقل وتقديم الإجابات الموضوعية عن الإشكالات الفكرية الراهنة.

وفي إطار هذه الرؤية، ينظر المتولّي الشرعي إلى العتبات المقدسة بوصفها مؤسّسات حضارية تتجاوز دورها التعبدي إلى أداء رسالة ثقافية ومعرفية واسعة.

ومن هنا يأتي إطلاق المسابقة ضمن منظومة من المشاريع العلمية والفكرية التي تتبناها العتبة العباسية المقدسة؛ بهدف إحياء التراث الإسلامي الأصيل وتجديد حضوره في الوعي الثقافي للأمة، وتعزيز دوره في بناء الإنسان والمجتمع.

كما تعكس محاور المسابقة رؤية السيد الصافي في تأكيد التلازم بين الثقلين؛ القرآن الكريم والعترة الطاهرة، إذ تجمع موضوعاتها بين الدراسات القرآنية والحديثية، والدراسات الفقهية والعقائدية، وعلوم أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، بما يرسخ الفهم المتكامل للإسلام ويؤكّد أنّ مشروع الاعتدال الحقيقي يستمد جذوره من النص القرآني الكريم ويتجسّد عمليًا في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ونهجهم الفكري والأخلاقي.

وبذلك تمثّل مسابقة «النمرقة الوسطى» ترجمة عملية لرؤية معرفية تسعى إلى بناء وعي متوازن يجمع بين أصالة المرجعية الفكرية وفاعلية البحث العلمي، ويجعل من الوسطية منهجًا راسخًا في مواجهة التطرف والانحراف الفكري بمختلف أشكاله.



سلاح المعرفة في مواجهة الغلو

منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، والعتبة العباسية المقدسة تقود حراكًا فكريًا واستراتيجيًا غير مسبوق، تمثل في تنظيم سلسلة من المسابقات البحثية الكبرى التي تجاوزت في أبعادها النمط التقليدي للأنشطة الثقافية.

لقد نجحت هذه المسابقات في تحفيز الأوساط الأكاديمية والحوزوية على إنتاج بحوث علمية محكمة، ركّزت بمرتكزاتها على علوم القرآن الكريم، ومقام النبوة الشامخ، والفكر المستنير لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام).

ولم تكن هذه الجهود مجرد ترف فكري، بل شكلت خط دفاع معرفي صلبًا عمل على تفكيك بنية الفكر المتطرف، وتفنيد خطابات الغلو والتقصير، محولةً الدفاع عن العقيدة والثوابت الإسلامية من سجال عاطفي وانفعالي إلى تحقيق أكاديمي رصين ومؤصل علميًا.

إنّ القيمة الحقيقية لهذا الحراك برزت في قدرته على جذب الباحثين والمفكرين من مختلف دول العالم، ليجتمعوا تحت مظلة العتبة المقدسة لتقديم قراءات منهجية حديثة تنشر قيم التسامح والاعتدال الإسلامي على نطاق عالمي.

والأهم من ذلك، أنّ هذه البحوث والنتاجات لم تبقَ حبيسة الرفوف أو رهينة الكتب المغلقة؛ بل تحولت ـ عَبرَ برامج العتبة ومشاريعها المستمرة ـ إلى سلوك مجتمعي وثقافة عامّة حيّة تستهدف عقول الشباب والناشئة، ما يسهم في تعزيز هويتهم الإسلامية الأصيلة، وتحويل هذه المنجزات إلى مراجع علمية وتاريخية متاحة تنير درب الجيل الحالي والأجيال القادمة.





المفهوم العلوي في استراتيجية العتبة العباسية

في سياق الحراك العلمي والفكري الذي تتبناه العتبة العباسية المقدسة، لم يكن اختيار عنوان «النمرقة الوسطى» للمسابقة البحثية الأولى التي أطلقتها عَبرَ جمعية العميد العلمية والفكرية ومركز العميد الدولي للبحوث والدراسات اختيارًا عابرًا أو مجرد تسمية رمزية؛ بل جاء ضمن رؤية استراتيجية واعية تستند إلى أبعاد فكرية وحضارية عميقة، وتسعى إلى الإسهام في صياغة الوعي الجمعي وترسيخ منهج الاعتدال المستند إلى فكر أهل البيت (عليهم السلام).

ينطلق هذا العنوان من الكنز البلاغي والفكري لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله: «نحن النُّمْرُقَةُ الوُسْطَى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي».

والنمرقة في لغة العرب هي الوسادة التي يُستند إليها طلبًا للراحة والاستقرار، بما تحمله من دلالات التوازن والثبات. ومن هنا، فإن استحضار هذا المفهوم في عنوان المسابقة يهدف إلى إبراز فكر أهل البيت (عليهم السلام) بوصفه المرجعية الفكرية الحامية من الانحراف، والميزان الدقيق للاعتدال، والقادر على استيعاب مختلف الاتجاهات وإعادتها إلى جادة الصواب.

فهو الفكر الذي يجذب «الغالي» ليعود من تطرفه، ويحفّز «التالي» ليلحق بركب الاعتدال، بما يسهم في حماية المجتمع من الانزلاق نحو الغلو أو التفريط.

كما تسعى المسابقة إلى ترسيخ الهوية المعرفية الأصيلة في زمن تتلاطم فيه التحديات الثقافية وتتزاحم فيه الهويات البديلة. فهي لا تقتصر على جمع البحوث والدراسات، بل تعمل على تشجيع النتاج العلمي الرصين المنبثق من الجذور الفكرية الأصيلة، بما يوفّر للأمّة، ولا سيّما فئة الشباب، نماذج معرفية راسخة وقادرة على مواجهة تيارات التغريب والتشويه الفكري، وتعزيز الثقة بالمرتكزات الحضارية والثقافية الإسلامية.

وفي إطار دعم الحركة البحثية والدراسات الدينية والإنسانية، تحولت العتبة العباسية المقدسة من خلال هذه المبادرة إلى منصة علمية فاعلة تسهم في تنشيط البحث العلمي والفكري على المستويين المحلي والدولي. فقد فتحت أبواب المشاركة أمام الباحثين والأكاديميين والمختصين من داخل العراق وخارجه لتقديم قراءات منهجية معاصرة وأدوات تحليلية رصينة قادرة على معالجة الإشكالات الراهنة بلغة علمية حديثة تجمع بين أصالة المضمون وحداثة المنهج.

ولم تترك المسابقة مجالات البحث مفتوحة من دون توجيه، بل حددت مساراتها ضمن ثلاثة محاور تخصصية رئيسة تستهدف سدّ النقص البحثي في المجالات المرتبطة ببناء الفكر الإسلامي المعتدل.

وتمثّلت هذه المحاور في الدراسات القرآنية والحديثية التي تعزز الصلة بين البحث العلمي المعاصر والنصوص المؤسّسة للإسلام، والدراسات الفقهية والعقائدية التي تسهم في ترسيخ الفهم المتوازن للأحكام والمرتكزات العقدية بعيدًا عن الإفراط والتفريط، فضلًا عن محور علوم أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، الذي يهدف إلى إعادة تقديم تراثهم العلمي والأخلاقي بوصفه مصدرًا حيًّا لبناء الوعي الفردي والمجتمعي وتوجيه السلوك والثقافة اليومية.



آفاق المشاركة العلمية

انطلاقًا من رسالتها في دعم الحركة العلمية والمعرفية وتوسيع دائرة المشاركة الفكرية، فتحت مسابقة «النمرقة الوسطى» أبوابها أمام شريحة واسعة من المهتمين بالبحث العلمي والدراسات الإسلامية والإنسانية، من دون الاقتصار على فئة محددة.

وتشمل الفئات المستهدفة الأكاديميين من الأساتذة والتدريسيين والباحثين العاملين في الجامعات والمؤسّسات العلمية والمراكز البحثية، إلى جانب طلبة العلوم الدينية والباحثين في الحوزات العلمية الذين يسهمون في تطوير الدراسات الشرعية والفكرية. كما تستهدف المسابقة الباحثين المستقلين والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي من داخل العراق وخارجه، بما يعزز التفاعل العلمي وتبادل الخبرات بين مختلف البيئات الأكاديمية والمعرفية، ويجعل من المسابقة منصة جامعة للحوار العلمي الرصين وإنتاج المعرفة الهادفة.



الجوائز والحوافز العلمية

حرصت العتبة العباسية المقدسة على توفير حوافز علمية ومادية تسهم في تشجيع الباحثين على المشاركة الفاعلة في مسابقة «النمرقة الوسطى»، وتدعم إنتاج الدراسات الرصينة التي تخدم أهدافها الفكرية والمعرفية. وفي هذا الإطار، خُصِّصت جوائز مالية قيّمة لأفضل عشرة بحوث فائزة، إذ يمنح صاحب المركز الأوّل مبلغ مليون دينار عراقي، فيما ينال الفائز بالمركز الثاني سبعمائة وخمسين ألف دينار عراقي، ويُخصص للمركز الثالث مبلغ خمسمائة ألف دينار عراقي. أما أصحاب المراكز من الرابع إلى العاشر فيحصل كلٌّ منهم على مبلغ مائتين وخمسين ألف دينار عراقي.

ولم تقتصر مبادرة التكريم على البحوث الفائزة بالمراكز الأولى، بل شملت أيضًا البحوث المقبولة علميًا التي لم تتأهل إلى المراكز العشرة المتقدمة، إذ تُمنح لأصحابها شهادات مشاركة تقديرًا لجهودهم العلمية. كما تُفرز البحوث المتميزة منها للنشر في مجلة «العميد» العلمية المحكمة أو ضمن السلاسل البحثية المعتمدة لدى مركز العميد الدولي للبحوث والدراسات، بما يضمن الإفادة من مخرجات المسابقة وتوسيع دائرة تأثيرها في الأوساط الأكاديمية والثقافية.

وتعكس هذه الجوائز والحوافز رؤية العتبة العباسية المقدسة في تحويل المسابقة إلى منصة علمية مستدامة لا تقتصر على التنافس البحثي فحسب، بل تسهم في إنتاج المعرفة الرصينة وتشجيع الباحثين على تقديم دراسات تعزز الفكر المعتدل وترسخ قيم الوسطية المستمدة من التراث الإسلامي الأصيل.


وقائع الانطلاق:

في يوم السبت، 23 مايو 2026 انطلقت فعاليات مسابقة العميد البحثية الأولى برعاية الأمانة العامّة للعتبة العباسية المقدسة.

ونُظّمت الفعاليات في قاعة الإمام الحسن (عليه السلام) داخل العتبة المقدسة بحضور عضوي مجلس إدارتها، السيد ليث الموسوي والدكتور عباس الدده، وعدد من مسؤوليها وشخصيات دينية وأكاديمية.

واستُهلّت المسابقة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ ليث العبيدي، وقراءة سورة الفاتحة على أرواح الشهداء والاستماع إلى النشيد الوطني ونشيد لحن الإباء. وشهد الانطلاق كلمة للعتبة العباسية المقدسة ألقاها الدكتور عباس الدده الموسوي.

وقال الموسوي: إنّ "غاية البحث العلمي ومنتهاه، أن يكون نافعًا، ترى آثاره في حيوات الناس، ينطلق من واقعهم ويلامس همومهم، ويقترح خططًا وقائية، ويقدم حلولًا لتقويم ما أعوج فيه، وألا يكون حبيس التنظير".

وأضاف أنّ "في الرؤية المرسومة لإقامة مسابقات بحثية في العتبة العباسية المقدسة أنّ حال الباحث الحقّ، هو حال (الطَّبِيبِ الدَّوَّارِ بِطِبِّهِ)، يجس موضع ألم الواقع بمبضعه ويسمع أنينه، ونبض يومياته، ويلاحظ أعراضه وحركاته وسكناته، ليصف له دواء يذهب عنه العلل".

وتابع "ما أكثر جراح مجتمعنا المعاصر، وما أوجع علله، وما أقل الأطباء الدوارين بطبهم، على الرغم من كثرة العلاجات الناجعة عند محال معرفة الله، ومواضع هدايته في مدينة العلم وأبوابها (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) وكم هناك من مآزق وأزمات، نريد من البحث العلمي أن يغدو خططًا واعدة، وأن يغادر مساحة الورق، ويتحرر من أغلفتها ولغتها التنظيرية، ويكون طبيبًا دوارًا".

وبيّن الموسوي أنّ "جلّ مشاكل المجتمع ناجمة من تنازع الأطراف بين إفراط وتفريط، وبين غلو وتقصير، وما أحوجها إلى منهج وسط، إلى نُّمْرُقَةِ وُسْطَى بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي، ما أحوجنا إلى محل استناد تستند إليه الأمّة في عقيدتها وأحكامها، منهج هو ذاته الذي شرعته الإرادة الإلهية ليكون طوق نجاة وحصنًا منيعًا ضد التطرف والانحراف، المنهج ذاته الذي تمثلته المنظومة القيمية عند أهل البيت (عليهم السلام)، فيما صدر عنهم في صراطهم المستقيم، من منهج للتعايش ونظام يضبط حركة الأمة ويضمن بقاءها على نحو حضاري إنساني".

وأوضح أنّ "مبدأ (النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى) سيضبط البوصلة الفكرية، ويحمي العقائد مما يحيق بها من تحديات، ويأمن بها المجتمع على نسيجه من التمزق، ويضمن مد جسور الحوار وتقبّل الآخر سواء أكان مؤتلفًا أو مختلفًا".

واختتم كلمته بالقول: "إنّ هذه دعوة منا إلى منهج أهل البيت (عليهم السلام) مجمع الحكمة والفضيلة ومركز التقائهما، وهو المنهج ذاته الذي رسخته فينا مرجعية إمامنا السيد السيستاني (أدام الله بقاءها)، فهي امتداد لذلك النور الذي أضاء بأهل البيت (عليهم السلام)، فقد اهتمت بالإنسان لا بانتمائه ودينه ومذهبه وقوميته، وحثّت على حفظ حرمته في المنعطفات العصيبة، ودعت إلى التماسك والحكمة وتغليب صوت العقل، وإنّ الشواهد أكثر من أن تحصى، تدلل على أنّ منهجها امتداد عملي وتطبيق واقعي لمنهج (النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى)".



78 بحثًا من داخل العراق وخارجه:

أكّدت اللجنة التحضيرية لمسابقة العميد البحثية الأولى أنّ عدد البحوث المشاركة في المسابقة بلغ ثمانية وسبعين بحثًا من داخل العراق وخارجه.

جاء ذلك في كلمة رئيس جمعية العميد العلمية والفكرية الدكتور سرحان جفات سلمان التي ألقاها في الحفل وقال: إنّ "فكرة المسابقة جاءت من قول الإمام علي (عليه السلام): (نحن النمرقة الوسطى بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي) لتوفير فرصة للباحثين الكرام لتكون بين أقلامهم مطارحات معرفية في ثلاثة محاور، وهي: الدراسات القرآنية والحديثية، والدراسات الفقهية والعقدية، والدراسات الخاصة بعلوم أهل البيت (عليهم السلام)".

وأضاف أنّ "إقبال الباحثين الكرام على هذه المسابقة كان إقبالًا طيبًا، إذ بلغ عدد البحوث المشاركة ثمانية وسبعين بحثًا، قُبل منها خمسة وخمسون بحثًا، وكان عدد البحوث الفائزة ثلاثين بحثًا، مع لحاظ أنّ البحوث المستلمة كانت من العراق، وإيران، ونيجيريا، ومصر، وسوريا، ولبنان".

وبيّن أنّ "الجهة المنظمة للمسابقة تقف على مسافة واحدة من الجميع، فقد انتدبت لكل محور من المحاور لجنة من ثلاثة محكمين من أهل الموثوقية العلمية، مع حجب أسماء المشاركين؛ حرصًا على أمانة التقويم وحياديته".

وفي ختام كلمته، قدّم سلمان شكره إلى العتبة العباسية المقدسة وأعضاء لجان التحكيم، تثمينًا لجهودهم المبذولة، كما أعرب عن تقديره للباحثين المشاركين وإسهاماتهم العلمية في المسابقة.

واختُتمت الفعاليات بتكريم الباحثين الفائزين في المحاور العلمية المعتمدة للمسابقة، إذ شارك في مراسم التكريم عضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة السيد ليث الموسوي، ومستشار المتولي الشرعي السيد طلال البير، ومستشار الأمين العام السيد عدنان الموسوي، ورئيس قسم الشؤون الفكرية والثقافية السيد عقيل الياسري.

ويُشار إلى أنّ المسابقة استقطبت نحو (80) بحثًا علميًّا من داخل العراق وخارجه، خضعت جميعها لعمليات تقويم وتحكيم علمية وفكرية وأكاديمية دقيقة، أسفرت عن قبول (55) بحثًا توزعت على محاور المسابقة الثلاثة.

وقد فاز (10) باحثين في كل محور، ليبلغ العدد الكلي للفائزين (30) باحثًا، في مؤشر يعكس حجم التفاعل العلمي والإقبال البحثي الذي حظيت به المسابقة.



الإشادات الرسمية والشهادات الحية للمشاركين

حظيت مسابقة «النمرقة الوسطى» البحثية بإشادات واسعة من الأوساط الأكاديمية والحوزوية والثقافية، بوصفها واحدة من المبادرات العلمية الرائدة التي أطلقتها العتبة العباسية المقدسة لتعزيز البحث الرصين وترسيخ منهج الاعتدال الفكري المستمد من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وقد أكّد عدد من المسؤولين والأكاديميين أنّ المسابقة تمثّل خطوة نوعية في دعم الدراسات الإسلامية والإنسانية، وفتح آفاق جديدة أمام الباحثين لتناول القضايا الفكرية المعاصرة بمنهجية علمية رصينة.

كما أشار مختصون في الشأن الفكري إلى أنّ أهمية المسابقة لا تكمن في جوائزها المادية فحسب، بل في قدرتها على توجيه الجهد البحثي نحو موضوعات تمسّ احتياجات المجتمع الفكرية والثقافية، وتسهم في مواجهة مظاهر التطرف والانحراف عَبرَ أدوات العلم والحوار والمعرفة.

ومن جانب آخر، عبّر العديد من الباحثين والمشاركين عن تقديرهم للمستوى التنظيمي والعلمي الذي اتسمت به المسابقة، مؤكّدين أنّ المبادرة وفّرت بيئة أكاديمية جادة شجّعت على التنافس العلمي وأتاحت الفرصة لتبادل الخبرات بين الباحثين من مختلف التخصصات والبلدان.

كما أشادوا بوضوح المحاور البحثية وارتباطها بالقضايا الفكرية الراهنة، الأمر الذي منحهم فرصة لتقديم دراسات تتسم بالأصالة والجدّة العلمية.

وأكّد عدد من المشاركين أنّ المسابقة أسهمت في تعزيز حضور الباحثين الشباب وإبراز طاقاتهم العلمية، فضلًا عن كونها شكلت منصة مهمة لنشر النتاجات البحثية المتميزة وإيصالها إلى المؤسّسات الأكاديمية والثقافية.

ورأى آخرون أنّ تبني العتبة العباسية المقدسة لمثل هذه المشاريع البحثية يعكس إدراكًا عميقًا لدور المعرفة في بناء المجتمع وصيانة هويته الفكرية والثقافية.

وتكشف هذه الإشادات والشهادات الحيّة عن النجاح الذي حققته مسابقة «النمرقة الوسطى» في استقطاب الباحثين وتفعيل الحراك العلمي، كما تؤكّد مكانتها بوصفها مشروعًا معرفيًّا يتجاوز حدود المنافسة البحثية ليصبح مساحة فاعلة لإنتاج الفكر المعتدل وترسيخ ثقافة الحوار والبحث العلمي الرصين.


خلاصة القول:

تمثّل مسابقة «النمرقة الوسطى» البحثية أكثر من مجرد فعالية علمية أو منافسة أكاديمية؛ فهي مشروع فكري متكامل يعكس رؤية العتبة العباسية المقدسة في بناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ ثقافة الاعتدال. فمن خلال استلهامها للمفهوم العلوي العميق الذي يجسّد الوسطية والتوازن، تسعى المسابقة إلى إعادة توجيه الجهد البحثي نحو القضايا التي تمس حاضر الأمّة ومستقبلها، وإلى استثمار المعرفة بوصفها أداة فاعلة في معالجة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.

وإذا كانت الأمم تُقاس بقدرتها على حماية هويتها الفكرية وصناعة مستقبلها الثقافي، فإنّ مثل هذه المبادرات تمثل استثمارًا استراتيجيًّا في العقل الإنساني وفي الأجيال القادمة.

فصيانة العقول لا تبدأ عند معالجة الأزمات بعد وقوعها، بل تبدأ ببناء منظومة معرفية متكاملة تُرسخ قيم الاعتدال والوعي والنقد العلمي، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الأصالة والتزييف، وبين الوسطية والتطرف.

وعليه، فإنّ مسابقة «النمرقة الوسطى» ليست محطة عابرة في مسار النشاط العلمي للعتبة العباسية المقدسة، بل تمثّل لبنة مهمّة في مشروع حضاري طويل الأمد يهدف إلى بناء مجتمع أكثر وعيًا وتوازنًا، وإلى ترسيخ ثقافة البحث العلمي بوصفها سبيلًا للنهوض الفكري والثقافي.

وهي رسالة تؤكد أن المستقبل يُصنع بالعلم، وأن الاعتدال يُبنى بالمعرفة، وأن الأمم التي تستثمر في الفكر قادرة على مواجهة تحدياتها وصياغة حاضرها ومستقبلها بثقة واقتدار.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة