مشروع حضاري متكامل تبنَّته العتبة العباسية المقدّسة.
منذ عقدين من الزمن، نهضت العتبة العباسية المقدسة بمشروع حضاري فريد، هدفه حفظ التراث الإسلامي المخطوط وإحياؤه، ذلك التراث الذي كاد أن يُطوى تحت لواء النسيان، وتغشاه غبرة الإهمال، حتى أصبح حبيس رفوف المكتبات الخاصة والعامة في بلدنا العزيز وخارجه. لقد أدركت العتبة أن هذا الإرث العلمي لا يمكن أن يبقى مهملاً، وأنه يستحق أن يُعاد إلى الحياة ليكون جسراً يوصل الماضي بالحاضر، ويشد بين القديم والجديد.
الخطوة الأولى: جمع المخطوطات وفهرستها
كانت البداية مع جمع المتبقِّي من مخطوطات مكتبة العتبة العباسية بعد أن تلف منها قسم كبير أيّام النظام البائد، فضلاً عن جمع مخطوطات أصلية أخرى، حيث بلغ عددها (5000) خمسة آلاف مخطوطة، وقد تطلّب الأمر إنشاء حصينة خاصة لحفظ هذا التراث، ومجهَّزة بأحدث الأجهزة العالمية.
ثمّ تلا ذلك إنشاء مركز تصوير المخطوطات وفهرستها، الذي تولَّى مهمة جمع التراث الخطي وحفظه، حتى أصبح اليوم يضم مئات الآلاف من النسخ المصوَّرة، وأصدر فهارس لمكتبات متعددة. هذا العمل لم يكن مجرد حفظ للأوراق، بل كان تأسيساً لقاعدة معرفية متينة، تُتيح للمحققين والدارسين الاطلاع على كنوز علمية طالما بقيت بعيدة عن الأنظار.
الخطوة الثانية: الترميم والصيانة
ولأن المخطوطات عرضة لعوامل الزمن والتأثيرات الخارجية، أنشأت العتبة مركز الفضل لترميم المخطوطات، المجهَّز بملاكات متخصصة وأجهزة حديثة. هذا المركز يعمل على صيانة المخطوطات التالفة وإعادتها إلى حالتها الأصلية، ليضمن استمرارها كوثائق شاهدة على عظمة الفكر الإسلامي، وليحفظها من التلف والاندثار.
الخطوة الثالثة: التحقيق والنشر
لم تكتف العتبة بالحفظ والتصوير والترميم، بل سعت إلى إخراج التراث إلى عالم المعرفة عبر إنشاء مراكز متخصصة في التحقيق، مثل مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق، ومركز الشيخ الأنصاري (مركز إحياء التراث سابقاً)، ومركز الصادقين للدراسات والتحقيق، وشعبة الرعاية المعرفية، إضافة إلى مراكز تُعنى بخصوصية جغرافية كمركز تراث البصرة، وتراث الجنوب، وتراث الحلة، وتراث كربلاء، مضافاً إلى مركز إحياء التراث الإسلامي في مشهد.
كما أسست العتبة العباسية المقدّسة المعهد العالي للتراث لتخريج المحققين الأكفاء، الذين أصبحوا رافداً أساسيًّا للمؤسسات التراثية في العراق، وأسهموا في تحقيق مئات المخطوطات التي أغنت المكتبة الإسلامية وحازت جوائز دولية مرموقة.
ثمار الجهود: موسوعات ومجلات
أثمرت هذه الجهود عن إصدار مئات الكتب والموسوعات المحققة تحقيقاً علميًّا دقيقاً، كان لها الدور الكبير في إثراء المكتبة الإسلامية. ولم تقتصر العتبة على الكتب، بل أصدرت مجموعة من المجلّات بعضها تراثية محضة كمجلّة الخزانة، وإحياء، ومجلة عطاء التراث، وبعضها مجلّات تراثية محكَّمة مجازة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مثل تراث كربلاء، وتراث الحلة وتراث البصرة، وتراث الجنوب. وهذه المجلات شكَّلت منصات معرفية متجددة تزدان بأقلام المحققين والمهتمين بالتراث، تُعنى بالوثائق والمخطوطات وتفتح آفاقاً جديدة للباحثين.
الفعاليات والاحتفاء بالحوزة العلمية
إلى جانب التحقيق والنشر، أقامت المراكز التراثية التابعة للعتبة العباسية عشرات الندوات والمؤتمرات والدورات التراثية بهدف التعريف بنتاج علماء الطائفة وإبراز مكانتهم العلمية التي أثمرت كمًّا كبيرًا من المؤلّفات، وكان للعتبة العباسية المقدّسة السبق في إحياء ألفية حوزة النجف الأشرف، باعتبارها القلب النابض للتراث. هذا المشروع لم يكن مجرد احتفاء بيوم أو مناسبة، بل كان مشروعاً حضاريًّا متكاملاً، يُعيد قراءة التراث بروح العصر، ويُسلّط الضوء على مرور ألف عام على تأسيس الحوزة العلمية منذ هجرة شيخ الطائفة الطوسي عام 448هـ، حين أسس مدرسة علمية أصبحت منارة للفقه والأصول، وقلعة للعلم والفضيلة.
وبهذا، يتضح أن مشروع العتبة العباسية المقدسة لم يكن مجرد مبادرة لحفظ المخطوطات، بل هو نهضة حضارية متكاملة، أعادت للتراث العلمي مكانته، وربطت الماضي بالحاضر، لتكون منارة للأجيال القادمة في مسيرة العلم والمعرفة. إن ما قامت به العتبة العباسية المقدسة يُعدّ اليوم من أعظم المشاريع الفكرية في العصر الحديث، إذ لم تكتف بالحفظ، بل تجاوزت ذلك إلى التحقيق، النشر، الترميم، التعليم، وإقامة الفعاليات، لتُعيد للذاكرة ما خطّه العلماء من نور في بطون الكتب والمخطوطات.
جوائز دولية ومحلّية سنويًّا
أحرزت المراكز التراثية التابعة للعتبة العباسية المقدّسة سنويًّا المراتب الأولى في المسابقات المحلية والدولية، وأبرز هذه المسابقات هي (كتاب الحوزة) في مدينة قمّ المقدّسة في إيران سنويًّا، والتي تحرز فيه العتبة العباسية المراتب الأولى ولا يقلُّ عن جائزتين في كلِّ سنة، مما يدلُّ على أصالة وجودة الكتب والمشاريع التراثية التي تصدرها المراكز التراثية في العتبة العباسية المقدسة.
الرعاية والتوجيه
كل هذه الجهود جرت برعاية وتوجيه من سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه) المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، الذي حرص على إبراز تراث العلماء، وأولى اهتماماً بالغاً بالمراكز التراثية، موجهاً ومشجعاً على مواصلة العمل بما يليق بعظمة هذا المشروع. لقد كان حرصه الشديد على إبراز تراث الطائفة الحقّة دافعاً أساسيًّا لاستمرار هذه النهضة العلمية. كما كان الإشراف المباشر لعضو مجلس الإدارة سماحة السيد ليث الموسوي (دام عزّه) الأثر الكبير في تطوُّر هذه المراكز ودورها في إحياء تراث علمائنا الأعلام.
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد
تعليقات القراء