alkafeelGlobal alkafeelGlobal

الشباب في مشروع العتبة العبّاسيّة المقدّسة الحضاري

الشباب في مشروع العتبة العبّاسيّة المقدّسة الحضاري

أولت العتبةُ العبّاسية المقدّسة اهتماماً كبيراً برعاية شريحة الشباب، إدراكاً منها لأهمّية هذه الفئة في بناء المستقبل وضمان استمراريّة الهويّة الدينيّة والوطنيّة الصحيحة، من خلال تبنّي مجموعةٍ من الأنشطة الدينيّة، الثقافيّة، الاجتماعيّة، التعليميّة، التربويّة، الإعلاميّة، وغيرها، وتنوَّعت مبادرات العتبة المقدّسة في هذا الإطار، لتشكَّل مشروعاً متكاملاً يهدف إلى بناء وعي الشباب وتحصينهم من التحدّيات الفكريّة والاجتماعيّة.

وضمن مشروعها الكبير في تعزيز القيم الإنسانيّة والمساهمة الفاعلة في تماسك المجتمع وسدِّ الثغرات التي قد تتولّد من جرّاء تزاحم الأفكار والتوجّهات السلوكيّة، مع تصاعد التحدّيات التي تواجه الشباب، وتعدّد أشكالها فكريًّا وأخلاقيًّا، بادرت العتبة العبّاسية المقدّسة لبناء الأنموذج المتقدِّم في رعاية هذه الشريحة المهمّة من المجتمع، مرتكزةً على وعيٍ كبيرٍ لتلبية احتياجاتهم الفكريّة والنفسيّة والاجتماعيّة، لا سيّما في زمن الانفتاح العالميّ وإتاحة اطّلاع الجميع على سلوكيّات الجميع، بلا قيودٍ تُميِّزُ الجيّد من غيره، وصار حتمًا على المتصدّين لحماية المجتمع -ممّا قد يضرّه- إنشاء مشاريعهم الإنسانيّة والفكريّة المبنيّة على أُسسٍ صحيحة، ولطالما أشارت المرجعيةُ الدينيّةُ العُليا في النجف الأشرف إلى وجوب تحمّل المسؤوليّة لحماية المجتمع والتصدّي للسلوكيّات السلبيّة الغريبة، وتعزيز الهويّة الدينيّة والوطنيّة.

حيث أطلقت العتبةُ العبّاسيّة المقدّسة العديد من المبادرات التي تستهدف فئة الشباب في معظم جوانب حياتهم، لا سيَّما الجانب الدينيّ والتربويّ عبر إقامة الدورات الثقافيّة والفكريّة والمحاضرات الدينيّة، التي من شأنها تعزيز قيم الإسلام الحنيف وترسيخ الأخلاق الحميدة وتقوية الارتباط بالتراث الدينيّ المستفاد من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

ومنها برامج تعليم وتحفيظ القرآن الكريم ودعم فئة الشباب لفَهمِ وحفظ كتاب الله العزيز، وإقامة المسابقات القرآنيّة، والاهتمام بكتاب نهج البلاغة وغيره من الأصول المعرفيّة الأساسيّة.

وإقامة الدورات العقديّة والفقهيّة والأخلاقيّة على طول العام بدون توقّفٍ في مكانٍ أو زمان، إضافة إلى البرامج الخاصّة بتطوير المهارات الفكريّة والثقافيّة عبر مجموعةٍ من الدورات والورش التوعويّة والتدريبيّة في مجالات القيادة والعقيدة والفكر والتربية والإعلام وغيرها، والتي تدار بشكلٍ منسّقٍ عبر مراكز خاصّة، منها:

مشروع فتية الكفيل الوطني: هو أحد المشاريع التربويّة والثقافيّة الرائدة التي أطلقتها شعبةُ العلاقات الجامعيّة التابعة لقسم العلاقات العامّة في العتبة العبّاسية المقدّسة، ويهدف إلى إعداد جيلٍ شبابيٍّ واعٍ، مثقّفٍ، وفاعلٍ في الوسط الطلّابي لطلبة الجامعات والمدارس الثانويّة، من خلال برامج تطويريّة تجمع بين التربية العقائديّة والتدريب القياديّ والمعرفيّ، عبر مجموعةِ برامجَ تهدف إلى إعداد جيلٍ واعٍ ومثقّفٍ، من خلال دوراتٍ تطويريّة وورش عمل في القيادة والإعلام والتنمية الذاتيّة.

وقد أسهم هذا المشروعُ المبارك بتشكيل عدّة مبادراتٍ اجتماعيّة وتقنيّة وتوعويّة في الجامعات، ممّا شكّل حالةً من التأهيل الفكريّ الصانع للشخصيّة الواعية، إضافة إلى المجالات الحياتيّة المختلفة المشجّعة لطلبة الجامعات والشباب على تقديم أفضل ما يتمتّعون به من مهاراتٍ إبداعيّة.

مركز مُلتقى القمر الثقافي: هو مركزٌ فكريّ تابعٌ لقسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة، مهمّته طرح ومعالجة القضايا المعاصرة بلغةٍ عقلانيّة تنسجم مع وعي الشباب، ونطاق عمله يتّسع لجميع المحافظات والمدن العراقيّة، وتتألّف كوادره من مجموعاتٍ من النخب الشبابيّة التي يجمعها المُلتقى بواسطة مناهج تدريبيّة واسعة، تهدف إلى بناء شخصيّةٍ شابّةٍ إيمانيّة فاعلة، قادرةٍ على التفاعل مع التحدّيات الفكريّة والاجتماعيّة المعاصرة من منطلقاتٍ أصيلة، وتعزيز الانتماء للهُويّة الدينيّة والوطنيّة، وبناء قدراتِ الشبابِ في مجالات القيادة والفكر والعقيدة والتربية والإعلام، للتصدّي للفكر المنحرف عبر الوعي والمعالجة الثقافيّة، فالمُلتقى ليس مجرّد قاعة محاضراتٍ، بل يشكّل بيئةً حواريّةً مفتوحةً تحتضن العقل، وتبني الإنسان من الداخل ليكون لبنةً في بناء مجتمعٍ راقٍ ومؤمن.

جمعيّة كشّافة الكفيل: هي مؤسّسةٌ كشفيّة تربويّة تهدف إلى بناء شخصيّةٍ شبابيّة متوازنة تجمع بين الإيمان، الانضباط، وحبّ الوطن، في إطار منهجٍ كشفيّ ملتزم، وتُعدّ الجمعيّةُ الذراعَ الكشفيّ والتربويّ الأفضل على المستوى الوطنيّ، وتتبع إداريًّا لـشعبة الأنشطة والمخيّمات الكشفية التابع لقسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة، وتمتاز هذه الجمعية بنشاطاتها التي تجمع بين المهارات الحياتيّة والبدنيّة ومساهمتها الفاعلة في غرس قيم الانضباط وروح العمل الجماعيّ لفئاتٍ مختلفة تبدأ من السنّ المبكّر للأولاد وصولاً إلى مراحل الشباب، لتنشئة أجيالٍ مؤهّلةً فكريًا وجسمانيًا لارتقاء المراكز الفاعلة المستقبليّة، ومن مميّزات نشاطات هذه الجمعيّة أن لكوادرها احترافيّةً عاليةً في بناء حالةٍ من التكامل بين التدريب الكشفي وتنمية القدرات المعرفيّة لدى المشاركين في برامجها.

مركز الدراسات والمراجعة العلميّة: وهو أيضًا من مراكز قسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة، الذي أخذ على عاتقه مسؤوليّة إصدار النشرات والكتب التي تدعم الثقافة والفكر لا سيّما الشبابيّة منها، إضافةً إلى إقامة الندوات والمحاضرات التي يُلقيها كادرُ المركز بمهارةٍ عالية في الطرح ذي الطابع المعرفيّ والثقافيّ، لدعم البنية المعرفيّة للمجتمع من خلال المشاركات البحثيّة، وإدامة التواصل مع فئات المجتمع لا سيّما فئة الشباب.

وتمتاز المراكز ومشاريعها المذكورة بتعدُّد وسائط الخدمة المعرفيّة بإدارتها للعديد من المنصّات الإلكترونيّة، وصفحات التواصل الاجتماعيّ، والإصدارات الورقيّة والإلكترونيّة من مجلّاتٍ ونشراتٍ دوريّةٍ كمجلّة (مُلتقى القمر الثقافي) و (عطاء الشباب) و (حيدرة) ومجلّة (مع الشباب)، وطباعة الكتب والكراريس المختصّة، وغيرها.

وتعدُّ مشاركاتها في الزيارات المليونيّة وإدارتها للفعّاليات الكبرى كحفل تخرّج طلبة الجامعات العراقيّة، وإقامة المُلتقيات والمؤتمرات العلميّة الخاصّة بالشباب، وتكريم الطلبة المتفوّقين، وتكريم مرتديات العباءة في الجامعات، وإقامة المهرجانات والاحتفالات الكبرى في المحافظات... وغيرها، تعدُّ خير شاهدٍ على كفاءتها في إدارة برامجها المتعدّدة وتقديم الخدمات الثقافيّة بشكلٍ واسعٍ وتنظيمٍ مميّز.

إضافة إلى النشاطات النسويّة التي تُدار من قِبل كوادر مميّزة من منتسبات العتبة المقدّسة، وباهتمامٍ فاعلٍ في غرس المفاهيم الأخلاقيّة والسلوكيّة والفكريّة في المجتمع الشبابيّ النسويّ، ونشر مفاهيم العفّة والرقيّ الذي يُستَسقَى من الإرث الطيّب المُستلهَم من بيت النبوّة والعترة المطهّرة (عليهم السلام).

ودأبت العتبةُ المقدّسة كذلك على تقديم الأنموذج التعليميّ الأمثل عبر جامعتي الكفيل والعميد كمؤسّستَينِ تعليميّتَينِ أكاديميّتَينِ، تتيحان للشباب فرصة الحصول على تعليمٍ جامعيّ راقٍ بأحدث الطرائق والمناهج والوسائل التعليميّة، يعيشها الطالب في بيئةٍ أخلاقيّةٍ منضبطة، وإضافةٍ ثقافيّة إثرائيّة مميّزة.

ولا تُنسى الجهود الكبيرة التي تقدِّمها مجموعةُ العميد التعليميّة، من إعداد متعلّميها للوصول إلى أهدافها في تطوير مهارتهم المعرفيّة والأخلاقيّة والسلوكيّة، ليكونوا الأكثر فاعليّةً في المراحل التي تلي التعليم الثانويّ.

وبالرغم ممّا تواجهُهُ مشاريعُ رعاية الشباب من تحدّياتٍ كبيرة ومتزايدة، إلّا إنّ العتبة المقدّسة بكونها المنارة الحضاريّة التي تضيء طريق الإنسان في الجوانب الروحيّة والعباديّة، وبالعمل الدؤوب الجادّ لتأهيل المجتمع الشبابيّ لقيادة الحياة بروحٍ إيمانيّة وقدرةٍ علميّة وثقافيّة.

ولا يُمكن الختام قبل أن نبيّن أن هذه المشاريع وغيرها، تنضوي ضمن نشاطاتٍ كبيرة تقيمها وتشرف على إنجازها وترعاها يدُ الخير الممدودة دائمًا لتقديم الرعاية الأبويّة المباركة، المتمثِّلة بسماحة السيد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة –دام عِزُّه-، والأمانة العامّة للعتبة المقدّسة وأقسامها بكلّ ما يُمكن من المساهمات اللوجستيّة والفنّية والإداريّة، وأنَّها تشكّل مجتمعةً نوعاً من التنسيق الكبير والهمّة العالية في إدارة النشاطات ودعمها لتكوّن سرّ نجاحاتها.

وصار من الواضح أنّ رعاية الشباب ليست خيارًا ثانويًّا، بل يشكّل ضرورةً تمليها مسؤوليّةُ الحفاظ على هويّة الأمّة ومستقبلها، وقد أثبتت العتبةُ العبّاسية المقدّسة من خلال برامجها وفعّالياتها أن إدارتها الحكيمة والفاعلة لهذه النشاطات، شكّلت الأنموذج الذي يُقتدى به للوصول إلى النتائج المرجوّة، لكونها الرائدة في مثل هذه المجالات وعلى كلّ الأصعدة الوطنيّة والعالميّة.

الكاتب :حارث الداحي

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة