المجمع العلمي للقرآن الكريم : مشروع صناعة الإنسان وتحديات الحداثوية
كثيرة هي المشاريع التي طرحت رؤيتها في صناعة الإنسان، ففي خضم صراع الإيديولوجيات الذي بدأ ينهش إنساننا المعاصر، ويُسلّعه سلعة رخيصة، بل يرقمنه رقمًا عشوائيًّا في منظومة العولمة التي نعيش، وأمام مفاهيم "الدين الواحد" و"إنسان الحداثة" وبلحاظ الأصوات التي تنادي بضرورة تطويع الدين ـ أي دين ـ لرأي الأغلبية! وربما رأي الصفوة العصرية!، وتشذيب مفاهيمه بما يلائم عصرية الحياة وتقدّمها! وأمام كل ذلك، كانت الضرورة لازمة ولا بُدّية في طرح مشروعنا ـ أي العتبة العباسية المقدسة ـ في صناعة الإنسان، وإن شئت فقل إعادته إلى فطرته السليمة، والحد من أي لوثة، رغبة منه أو تغريرًا به.
ولأنّنا ننشد فيما نعمل لصناعة الإنسان النوعي، صرنا أمام مسؤولية كبرى في الحدّ من العروض المغرية التي بدأت تأخذ الفرد مِنّا صوب نتاجات الحداثة، ووصل الأمر حتى لمن ينشد الدين، فنراه راح يسلك سبلًا غير آمنة، وإن تلبّست بجلباب الدين، توهمًا منه بأنّ ذلك هو الدين وهو منه براء، حتى طرقت أسماعنا اليوم مقولات ظاهرها وظاهر قائلها هو الدين والتديُّن، وحقيقتها هي محاربة الله جلَّ وعلا، ومن ذلك ما يُسمَّى بـ "القراءات البشرية للقرآن الكريم"! و"الطروحات التفسيرية الجديدة للقرآن الكريم"، و"التنوير الديني"، فضلًا عن وظائف الهرمينوطيقا القرآنية ونقد القرآن الكريم، وما ذلك إلاّ تَقوّل على الله، وتَعدٍّ على أهل دين الله، والمختصين بتبيان دينه من عيبة علمه، وعِدل كتابه صلوات الله تعالى عليهم أجمعين.
وأمام مشروع أنجلة القرآن الكريم، ومحاولات تفكيكه واستدعائه للمحاكمة، كما حوكم الإنجيل من بعض الكنائس والبروتستانتية، وما يُعرض من خلال ذلك من أفكار كارثية، وإن كانت بشكل ناعم ومخملي، ما دفع إنساننا لتقبل هذه المفاهيم "الحداثوية".
هنا، كان التحدّي في مشروع المجمَع العلميّ للقرآن الكريم، كونه مشروعًا لـ "صناعة إنسان" أكثر من كونه مشروعًا وظيفيًا بتراتبية إدارية تشتغل على مجرّد حفظ القرآن الكريم وتلاوته؛ إذ نحاول في هذا المشروع قَرْأنَة الحياة بشدّ الإنسان فيها لله، ولرسوله ولأئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، فكان شعارنا في ذلك هو "قرآنيو الثقلين".
فلسفة شعار "قرآنيو الثقلين"..
ما انفككنا عن توظيف التلازم بين كتاب الله وقول المعصوم، وهذا ما نفعله تمامًا في مشروع المجمَع العلميّ للقرآن الكريم في توظيف هذا التلازم على مستوى الحفظ والتدبّر والتفكر والتفسير، وهو مشروع قرآني نوعي قبالة بعض المشاريع التي تشتغل على تصيير القرآن الكريم موردًا للتباري الصوتي أكثر من كونه تدبرًا وتفكّرًا.
وربما يسأل سائل.. لماذا هذا التلازم؟ ألم يكن القرآن الكريم كتاب حياة، يعني الأجيال كلها؟
أليس من حق هذه الأجيال أن تقرأه كما تريد وبما يخدم حياتها؟ ألم تدعوا أنّ القرآن يصلح لكل زمان ومكان؟
أسئلة خطيرة، وتكمن خطورتها في "انتقائية الفهم" للقرآن الكريم، وجرّه لما يرغب الفرد منّا لا لما يرغب الله! فلكم أن تتصوروا كيف لهذه الأجيال المشتتة بوارد الطروحات الغربية، المعجبة بمنجز الحضارة المدنيّة، أن تتفهّم مراد السماء؟ أن تعي مقصد الدين؟ أن تفهم كل ذلك بلحاظ انزياحات اللغة وتبدل المفاهيم بتبدّل الأزمنة؟
هنا كان مشروعنا مبنيًّا على فهم القرآن الكريم عَبرَ عقل المعصوم.. فهم الله سبحانه ودينه من خلال أهل بيت العصمة (عليهم الصلاة والسلام).
الكاتب : الحقوقي بلاسم الشمري
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد
تعليقات القراء